فك شفرة اللغز.. كيف حدد العلماء موقع أول صورة لبشر فى التاريخ؟

أول صورة لبشر عمرها 188 عام
أول صورة لبشر عمرها 188 عام

في صباح ربيعي من عام 1838، قرر المخترع الفرنسي لويس داجير اختبار ابتكاره الثوري الذي عكف على تطويره لقرابة عام كامل، قام داجير بتركيب كاميرته البدائية عند نافذة الاستوديو الباريسي الواقع في الطابق العلوي، ليلتقط مشهدا للمدينة أسفر عن صورته الشهيرة "منظر شارع دو تومبل".

لم تكن هذه اللقطة مجرد توثيق للمكان، بل دخلت التاريخ باعتبارها أول صورة فوتوغرافية تلتقط بشرًا، حيث ظهر فيها صبي ماسح أحذية وزبونه معًا عند منعطف شارع تصطف على جانبيه الأشجار، وفقا لما نشره موقع news.artnet.

رحلة البحث وتحديد الموقع بدقة

بعد مرور قرابة قرنين من الزمان على تلك اللقطة التاريخية، تحول تحديد الموقع الدقيق الذي وقف فيه ماسح الأحذية وزبونه إلى هاجس وشغف خاص لصناع الأفلام ماكسيميليان فان إيرتريك، أكسل دانييلسون، وكالي بومان.

وكان داجير قد التقط صورته من استوديو ومسرح مجاور يقع في ما يُعرف اليوم بشارع "ليون جوهو"، مصوبًا عدسته نحو موقع تشغله حاليًا ساحة الجمهورية الشهيرة، والتي أعاد تصميمها البارون هوسمان في منتصف خمسينيات القرن التاسع عشر.

وقد دفع هذا الفضول المخرجين الثلاثة، الذين استخدموا صورة داجير سابقًا في فيلمهم الوثائقي الحائز على جائزة ساندانس (2023) إلى التواجد في الساحة لفك هذا اللغز التاريخي والإجابة على السؤال الذي طال انتظاره حول الإحداثيات الدقيقة للمشهد.

تقنيات حديثة لإعادة بناء الماضي

استعان فريق العمل بتقنيات هندسية متطورة لتحديد الموقع بدقة، حيث قاموا في البداية بإنشاء مسح ثلاثي الأبعاد لساحة الجمهورية وشارع المعبد لحساب المسافات الحالية بين المباني.

تلى ذلك إعادة بناء الحي بالكامل كما كان عليه في عام 1838 بالاعتماد على اللوحات، المطبوعات، النقوش، والخرائط التاريخية المستخرجة من الأرشيفات الباريسية المتنوعة.

وعقب إرسال هذه البيانات الرقمية إلى شركتين معماريتين مستقلتين، حددت كل منهما موقعين يفصل بينهما ستة أقدام فقط، ليختار صناع الفيلم في النهاية نقطة وسطية بين الاقتراحين وضعت فيها مدينة باريس لوحة برونزية تذكارية توثق هذا الإنجاز الإنساني.

نجاة اللقطة من ويلات الحرب

ما يزيد من تعقيد القصة وندرتها أن الصورة الأصلية لم تعد موجودة بشكلها الأول، إذ كان داجير قد أرسل اللوحة الأصلية إلى الملك لودفيج الأول، ملك بافاريا، عام 1839، لكنها تعرضت لأضرار بالغة وتشوّهت تمامًا أثناء قصف قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. وتعتمد البشرية اليوم في رؤية هذا المشهد التاريخي على نسخة فوتوغرافية بارعة صنعها أمين متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA)، بومونت نيوهال، عام 1937 قبل دمار الأصل، بينما يستمر صناع الفيلم حتى الآن في رحلة بحثهم عن النيجاتيف الخاص بها.

وتظل هذه الصورة وتلك اللوحة التذكارية بمثابة تذكير حي بأن الأجيال السابقة عاصرت أيضًا طفرات واضطرابات تكنولوجية كبرى، تفرض على المجتمعات الحالية فهم عواقبها والتعلم من كيفية إدارتها.

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.