صدى حراك طلاب باريس على بروكسل

صدى حراك طلاب باريس على بروكسل

وإن كانت الاحتجاجات الطلابية العنيفة في فرنسا التي خرجت عن السيطرة في أسبوعها الرابع باعثها الأساسي التردي الحاد في المنظومة التعليمية بكافة مستوياتها؛ بيد أنها عاكسة لأزمات عميقة تئن منها فرنسا سترتد على الاتحاد الأوروبي الذي يعانى من أزمات عنيفة منذ 2008 تهدد بقائه.

لعل المنعطف الأول الكاشف للأزمة الفرنسية هو تآكل دولة الرفاهة التي تمتع بها الفرنسيين قرابة نصف قرن، وذلك التآكل القريب من الانهيار هو نتاج ديون سيادية ذهب جزء منها لإنقاذ دول أوروبية من الانهيار مثل اليونان، ضغط شديد على الإنفاق الاجتماعي خاصة الصحة والمعاشات، انخفاض نسبى في الدخل القومى، سياسات تقشف مفروضة من الاتحاد الأوروبي للحفاظ على استقرار اليورو ولأسباب أخرى.

علاوة على ذلك، الزيادة الكبيرة في حجم الإنفاق الدفاعي ورفعه إلى قرابة 3% من حجم الناتج المحلى بعد الحرب الأوكرانية بموجب مقررات الاتحاد الأوروبي والناتو، كضرورة حتمية لموازنة التهديد الروسي الوجودي لأوروبا، وتعد فرنسا من أكبر الداعمين لأوكرانيا عسكريا.

يمثل العجز في الموازنة الفرنسية نحو 4 تريليون دولار، عجز رهيب قد يؤدى بفرنسا إلى حافة الإفلاس بحسب الخبراء الاقتصاديين، ويشل يد الحكومة الفرنسية بتلبية مطالب الطلاب المحتجين برفع الإنفاق على التعليم بزيادة تتجاوز 10 مليار يورو سنويا.

صدام أجندة الأولويات بين باريس وبروكسل

لم تنتهى الأزمة الفرنسية بمجرد تلبية مطالب الطلاب، بل هي إيذانًا بمزيد من الانكفاء والتركيز الداخلي على معالجة الاختلالات الداخلية العميقة، وفى سياق ذلك مزيدا من الانقسام والاستقطاب الداخلي لا سيما بين اليمين المتطرف وأقصى اليسار وكلاهما يحملان أولويات مناهضة للاتحاد الأوروبي.

إذ لا مفر لأجل استقرار فرنسا سوى تحويل دفة الأولوية نحو الداخل على حساب أويات والتزامات فرنسا نحو الاتحاد، أي مزيدا من الاستدانة قصيرة الأجل، والتملص من سياسات التقشف، والتخفيف من الإنفاق العسكري والأمني، والتخفيف من المساعدات للدول الأوروبية الحالية والساعية للانضمام للاتحاد، وأيضا، التخلي عن الكثير من مبادىء وقواعد الاتحاد خاصة المتعلقة بحقوق الإنسان والهجرة.

وعلى المستوى الأكبر مزيدا من الانكفاء على الداخل أسوة بكثير من الدول مثل بولندا والمجر على حساب التضامن والتعاون بين الاتحاد.

فرنسا ليست دولة عادية أو صغيرة في الاتحاد الأوروبي بل تقود مع ألمانيا فعليا الاتحاد، وأكبر داعم للاستقلالية الأوروبية سياسيا وعسكريًا، والمتورط الرئيسي في حل جميع أزمات الاتحاد منذ 2008 حيث كان لها دورًا كبيرًا في إنقاذ اليونان والبرتغال من الإفلاس.

وعندما يواجه القائد أزمة وجودية فلا شك سيكون مردوها شديد السلبية على الاتحاد لا سيما مع اقتراب اليمين المتطرف بقيادة لوبان لفرنسا والتي تلقى باللوم على المهاجرين والانفتاح والعولمة والاتحاد في تردى النظام التعليمي وتهاوى فرنسا بصفة عامة.

فور اندلاع الحرب الأوكرانية أصدر الاتحاد بدعم فرنسي كبير البوصلة الاستراتيجية وعدد من الوثائق الاستراتيجية الهامة والتي فيها شدد على ضرورة لعب دورًا أكبر في السياسة الدولية في ظل النظام الجيوسياسى الجديد في العالم، وضرورة اضطلاع أوروبا بحماية نفسها إذا اقتضت الضرورة ويستلزم ذلك العمل على الاستقلالية الاستراتيجية وتطوير القدرات الدفاعية والهجومية الاستراتيجية الأوروبية إلى أقصى قدر ممكن.

وكان ذلك لحظة تضامن كبيرة داخل الاتحاد بسبب مخاوف التهديد الوجودي لروسيا، وهو ما تمخض عنه دعم غير مسبوق لأوكرانيا، زيادة واسعة في الإنفاق الدفاعي، مشاريع مشتركة للطاقة، دعم منطقة اليورو.

وواقع الأمر قد كشفت مع الأيام أن حلم الاستقلالية الأوروبية ليس فقط ثراب، بل أيضا أن بقاء الاتحاد أصبح في مهب الريح، فاليمين المتطرف المناهض للاتحاد يتوغل بشراسة في عظام أوروبا بسبب ما تئن منه أوروبا من أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة لعل أخطرها هو التفاوت الطبقي الحاد وتدهور النخب السياسية التقليدية.

الهيمنة العالمية للصين ما بين الواقعية والفكر الصيني

النهج المقيد والهيمنة الأمريكية

في النهاية لا يمكنا القول أن الأزمة الفرنسية والتي تمتد صدها إلى عدة عواصم مثل برلين ومدريد لذات الأسباب، ستؤدى إلى انهيار الاتحاد في القريب العاجل. لكنها ستنخر رويدا رويدا في أهدافه ومبادئه ومستوى التضامن داخله، إذ يكفى القول بالتعثر المؤكد لسياسة الدفاع المشتركة ضد روسيا، وضعف منطقة اليورو، وتآكل مبادىء حقوق الإنسان لاسيما في ظل مستويات العنف التي شهدتها الاحتجاجات الطلابية.

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.