درس دولة المؤسسات

درس دولة المؤسسات

في اللحظات الفارقة من تاريخ الدول، لا تقاس قوة الدول بمدى اندفاعها وانفعالها العاطفي، ولا بقدرتها على اتخاذ قرارات سريعة تحت ضغط الأحداث، وإنما بمدى حكمتها في إدارة الأزمات، ووعيها بحجم المسئولية، وقدرتها على الموازنة بين ضرورات التحرك ومخاطر التسرع. وعندما يتعلق الأمر بأمن المملكة العربية السعودية، فإن المسألة تتجاوز حدود التضامن السياسي أو الروابط التاريخية بين القاهرة والرياض، لتلامس جوهر الأمن القومي العربي وتشابك المصالح الاستراتيجية في المنطقة، فالعلاقات المصرية السعودية ليست علاقة عابرة تحكمها ظروف مؤقتة، وإنما هي علاقة تستند إلى تاريخ طويل من المصالح المشتركة والتعاون السياسي، وإلى إدراك متبادل بأن استقرار المنطقة العربية يمثل ضرورة لا غنى عنها لمستقبل شعوبها. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن تحرك مصر للدفاع عن السعودية يطرح سؤالا أكبر من طبيعة التحرك نفسه: كيف تدير الدولة قرارا بهذا الحجم؟ وكيف توازن بين واجب التضامن مع الأشقاء، ومتطلبات الأمن القومي المصري، والمسؤولية المترتبة على أي قرار عسكري قد تمتد آثاره إلى المنطقة بأسرها؟ هنا تحديدا تظهر قيمة دولة المؤسسات، وتبرز أهمية النهج الذي يضع الدستور والقانون في صميم عملية اتخاذ القرار، حتى عندما يتعلق الأمر بأخطر الملفات التي تواجه الدولة. فالمواقف المصيرية لا ينبغي أن تخضع للاندفاع أو الانفعال، بل تحتاج إلى تقدير استراتيجي متأن، ومشاركة مؤسسية مسئولة، ورؤية واضحة للأهداف والنتائج المحتملة. إن الاحتكام إلى المؤسسات الدستورية في مثل هذه القرارات هو أمر يستحق الإشادة خاصة عندما يصدر عن الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، الذي يتولى قمة السلطة التنفيذية والقائد الأعلى للقوات المسلحة؛ فالقوة الحقيقية للقيادة لا تكمن في قدرتها على حسم الأمور بصورة منفردة، وإنما في إدراكها أن القرارات التي تمس أمن الوطن ومصير أبنائه تستوجب احترام الأطر الدستورية، والاستعانة بالمؤسسات المختصة، وتوزيع المسؤولية وفقا للقواعد التي تنظم عمل الدولة. ومن هنا، فإن اللجوء إلى مجلس الدفاع الوطني ومجلس النواب، في القرارات التي تستوجب ذلك دستوريا، لا ينتقص من صلاحيات رئيس الجمهورية، ولا يقلل من مكانته السياسية، بل يعكس فهما سليما لطبيعة الدولة الحديثة، التي تتكامل فيها السلطات والمؤسسات، ولا تختزل إرادتها في شخص مهما بلغت مكانته أو اتسعت صلاحياته. فالرئيس، بحكم موقعه ومسؤولياته، يملك دورا محوريا في قيادة الدولة وتحديد توجهاتها الاستراتيجية، لكن هذا الدور يزداد قوة ومشروعية عندما يمارس في إطار الدستور، وبالتعاون مع المؤسسات التي أناط بها الدستور مسؤوليات محددة. وهذه هي الفكرة الجوهرية التي ينبغي التوقف أمامها: أن احترام المؤسسات ليس قيدا على القيادة، بل أحد مصادر قوتها، وأن الالتزام بالإجراءات الدستورية ليس إبطاء للقرار، بل ضمانة لحسن تقديره وسلامة مساره. ويأتي مجلس الدفاع الوطني في مقدمة المؤسسات المعنية بمناقشة القضايا المرتبطة بالأمن القومي والدفاع عن البلاد، وفقا لاختصاصاته الدستورية، وتكمن أهمية هذا المجلس في طبيعة الملفات التي يتعامل معها، وما تتطلبه من تكامل بين التقديرات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية، بما يساعد على تكوين صورة شاملة للموقف قبل اتخاذ القرارات الكبرى. فقرار التحرك العسكري خارج حدود الوطن لا يتعلق بمجرد إعلان موقف مؤيد لدولة شقيقة، بل يستلزم تحديد طبيعة المهمة وأهدافها وحدودها، وتقدير الإمكانات اللازمة لتنفيذها، ودراسة المخاطر المحتملة، واستشراف انعكاساتها على الأمن القومي المصري والعلاقات الإقليمية والدولية، كما يتطلب فحص البدائل المتاحة، والتمييز بين ما يمكن تحقيقه بالوسائل الدبلوماسية والسياسية، وما قد يستدعي خيارات أخرى وفقا لطبيعة التهديد وتطوراته. ومن هنا، فإن عرض القضايا الاستراتيجية على المؤسسات المختصة يمثل خطوة جوهرية في بناء القرار المسئول، فالمؤسسة العسكرية تقدم تقديرات الموقف الاستراتيجي، والجهات المعنية تدرس أبعاد الموقف، والقيادة السياسية توازن بين الخيارات المتاحة والمصالح الوطنية، في إطار يضمن أن يكون القرار قائما على المعرفة والخبرة.. ولا يعني هذا النهج التردد أو غياب الحسم، بل يعكس إدراكا بأن القرارات الكبرى لا تحتمل المجازفة غير المحسوبة، فالحسم الحقيقي ليس في اتخاذ القرار بأسرع وقت ممكن، وإنما في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، بعد دراسة ما يحيط به من ظروف ومخاطر، وقد تكون لحظة التروي هي الفارق بين تحرك يحقق أهدافه، وآخر يفتح أبوابا من الأزمات يصعب احتواؤها. وإذا كان مجلس الدفاع الوطني يمثل أحد الأطر الأساسية للتقدير الاستراتيجي، فإن مجلس النواب يمثل بدوره ركنا مهما في منظومة الشرعية الدستورية، من خلال اختصاصاته التشريعية والرقابية، والدور الذي يحدده الدستور له في القرارات المتعلقة بالحرب وإرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج حدود الدولة. وتنص المادة 152 من الدستور المصري على ضوابط دستورية تتعلق بإعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج حدود الدولة، بما يشمل التشاور مع مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه، وفقا للحالات والإجراءات التي يحددها النص الدستوري. وتكتسب هذه الضوابط أهمية استثنائية عندما يتعلق القرار بمهمة عسكرية خارج الحدود، لأن الأمر لا يمس حسابات القيادة السياسية وحدها، بل يتصل بحياة الجنود، وأمن المواطنين، والموارد الوطنية، ومستقبل العلاقات الخارجية، وما قد يترتب على التحرك من التزامات سياسية وعسكرية. ومن هنا، فإن إشراك مجلس النواب في المسار الدستوري للقرار يعبر عن احترام طبيعة المسئولية الوطنية المشتركة، فالبرلمان ليس مجرد جهة تصادق على قرارات جاهزة، وإنما مؤسسة لها اختصاصاتها التي ينبغي ممارستها في إطار الدستور، بما يضمن وضوح المسؤوليات، ويعزز مشروعية القرار، ويؤكد أن القضايا المصيرية تخضع للقواعد التي ارتضاها المجتمع ونظم بها عمل سلطاته. وتتجلى أهمية هذا المسار في أن رئيس الجمهورية، رغم ما يتمتع به من صلاحيات تنفيذية واسعة، لا يجعل من هذه الصلاحيات مبررا لتجاوز الإجراءات الدستورية التي تحكم القرارات المصيرية، وهو أمر يستحق الإشادة أيضًا لأن القيادة الواعية هي التي تعرف متى تمارس صلاحياتها، ومتى تستدعي دور المؤسسات الأخرى، وكيف تحقق التكامل بين مختلف السلطات بما يخدم المصلحة الوطنية. وهنا تكمن دلالة سياسية مهمة؛ فالدولة لا تصبح دولة مؤسسات لمجرد وجود دستور أو برلمان أو مجلس للدفاع الوطني، وإنما تصبح كذلك عندما تتحول النصوص إلى ممارسة، والاختصاصات إلى مسئوليات فعلية، والإجراءات إلى جزء أصيل من ثقافة الحكم وإدارة الأزمات. إن احترام المسار الدستوري من جانب الرئيس السيسي، في مثل هذه الملفات، يبعث برسالة واضحة مفادها أن قوة الدولة لا تقوم على سلطة القرار وحدها، بل على سلامة الطريق الذي يسلكه هذا القرار، كما يؤكد أن القضايا المتعلقة بالأمن القومي لا تدار بمنطق الارتجال، وإنما من خلال منظومة تتكامل فيها الخبرة العسكرية مع الرؤية السياسية، وتلتقي فيها مسئولية القيادة مع اختصاصات المؤسسات الدستورية. ولا يمكن فصل هذه المعاني عن طبيعة العلاقات المصرية السعودية، التي تمثل أحد المحاور المهمة في منظومة الأمن العربي فدعم المملكة العربية السعودية في مواجهة التهديدات التي تمس أمنها واستقرارها يرتبط بمصالح مصر الاستراتيجية، وبضرورة الحفاظ على توازن المنطقة ومنع اتساع نطاق الصراعات، غير أن هذا الالتزام يقتضي في الوقت نفسه تقدير طبيعة كل تهديد، وتحديد الوسيلة المناسبة لمواجهته، ومراعاة الإمكانات المتاحة والعواقب المحتملة. فالتضامن العربي لا يعني أن يكون التدخل العسكري هو الخيار الأول في كل أزمة، كما أن الحرص على تجنب الصراعات لا يعني التخلي عن الأشقاء أو تجاهل المخاطر، وإنما تتمثل الحكمة في امتلاك القدرة على اختيار الأداة المناسبة، سواء كانت سياسية أو دبلوماسية أو أمنية أو عسكرية، وفقا لما تقتضيه الظروف وما تحققه المصلحة الوطنية. ومصر، بما تمتلكه من ثقل سياسي وعسكري وموقع استراتيجي، تدرك أن استقرار الخليج العربي يرتبط بتوازنات أوسع تمس الأمن العربي وحركة التجارة والطاقة والممرات البحرية، ولذلك، فإن دورها الإقليمي لا ينبغي أن يقاس بمدى سرعة إعلان المواقف، بل بقدرتها على تحويل التزاماتها إلى سياسات فعالة، تحقق أهدافها وتحافظ على مواردها وتصون أمنها على المدى الطويل. وفي هذا السياق، تبرز أهمية القيادة السياسية التي تجمع بين الحسم والحكمة، وبين إدراك حجم الدور الإقليمي والوعي بحدود الإمكانات فالقيادة القوية ليست التي تنفرد بكل قرار، وإنما التي تحسن إدارة مؤسسات الدولة، وتستفيد من خبراتها، وتحترم اختصاصاتها، وتتحمل مسئولية الاختيار في إطار من الشرعية والانضباط. إن التاريخ لا يصنع مكانة الدول بالشعارات وحدها، ولا يمنحها الاحترام لمجرد امتلاكها القوة، وإنما يختبر قدرتها على توظيف هذه القوة بحكمة، وإدارة مصالحها بوعي، واتخاذ قراراتها في اللحظات الصعبة من دون التفريط في المبادئ أو الانجراف وراء الانفعالات.

مصر والسعودية.. قوة التضامن وحكمة الدبلوماسية

مصر بعد 2030

ومن هنا، فإن قيمة الاحتكام إلى مجلس الدفاع الوطني ومجلس النواب، في إطار الاختصاصات والإجراءات التي يقررها الدستور، تتجاوز حدود الإجراء القانوني إلى معنى سياسي أعمق: أن الدولة أكبر من الأشخاص، وأن المسؤولية الوطنية لا تنفصل عن المؤسسات، وأن احترام الدستور يمكن أن يكون عنوانا للقوة لا علامة على التقييد أو التراجع. فحين تحترم القيادة السياسية المؤسسات، فإنها لا تتنازل عن سلطتها، بل تمنح قرارها أساسا أوسع من الشرعية والمسؤولية، وحين يشارك كل طرف في حدود اختصاصه، يصبح القرار أكثر قدرة على الصمود أمام التحديات، وأكثر وضوحا في أهدافه والتزاماته، وأبعد عن مخاطر الارتجال والانفراد. وتلك هي المعادلة التي تحتاج إليها الدول في اللحظات التاريخية: قيادة تمتلك الإرادة، ومؤسسات تؤدي دورها، ودستور ينظم العلاقة بين السلطات، ورؤية استراتيجية تضع أمن الوطن ومصالحه فوق كل اعتبار عابر.

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.