خالد دومة يكتب: أدباء على حافة الهاوية.. فخري أبو السعود.. القلب الشارد

خالد دومة
خالد دومة

فخري أبو السعود... أديب وشاعر وناقد ومترجم، امتلك معرفة واسعة بالأدب العربي والإنجليزي، وقدم في مقالاته دراسات مقارنة تكشف عن عقل ناقد متبحر في أصول الأدبين، قادر على أن يقرأ النصوص ويفهم اختلاف البيئات التي أنتجتها، وأن يتجاوز ظاهر الكلمات إلى ما وراءها من أفكار ومشاعر ورؤى.

سافر في بعثة علمية إلى إنجلترا لدراسة الأدب الإنجليزي، وهناك تزوج وأنشأ أسرته الصغيرة، ثم عاد إلى مصر بعد انتهاء بعثته، واستقر في الإسكندرية، يعمل بالتدريس ويواصل الكتابة والبحث والترجمة. وكان للبحر، الذي أحبه واعتاد السير على شاطئه، مكان خاص في نفسه؛ فقد وجد في الطبيعة ما يأنس إليه، وفي الأدب عالمًا يستطيع أن يتجول فيه بعقله وخياله، ويمنح فيه أفكاره مساحة أوسع من حدود الحياة اليومية.

كان فخري شديد الشغف بالقراءة، يقرأ بنهم، لا ليجمع المعلومات فحسب، وإنما ليبني عقلًا قادرًا على الفهم والمقارنة والتحليل. وقد تجلى ذلك في دراساته عن الأدبين العربي والإنجليزي، التي نُشرت في مجلة «الرسالة»، ثم جُمعت في كتاب «في الأدب المقارن ومقالات أخرى». لم يكن الأدب عنده كلمات يتذوق جمالها ثم يمضي، بل عالمًا يدرسه ويحلله، ويبحث فيه عن الفروق بين الشعوب وطرائق التعبير عن النفس والحياة.

لكن هذا العالم الواسع الذي بناه بعقله لم يكن كل حياته. كان له عالم آخر أصغر مساحة، وأشد التصاقًا بقلبه: زوجته وأطفاله. هناك، بعيدًا عن الكتب والمقالات والمعارك الفكرية، كانت حياته الشخصية تجد دفئها ومعناها. وربما كان ذلك العالم الصغير هو ما يمنح عالمه الأدبي الواسع روحه، ويجعل للقراءة والكتابة غاية تتجاوز المعرفة ذاتها.

فليس كل إنسان قادرًا على أن يجد في الفكر وحده ما يعوضه عن الحب، ولا تكفي سعة المعرفة دائمًا لملء الفراغ الذي يتركه غياب الأحبة. قد يمتلك المرء عقلًا يطوف في عوالم الأدب والفلسفة، لكنه يظل محتاجًا إلى شخص يعود إليه في نهاية يومه، وإلى بيت يشعر فيه بأنه ليس غريبًا عن العالم.

هكذا تبدو الحياة تمنحنا لحظات من البهجة والطمأنينة، ثم تفاجئنا بما لا نستطيع دفعه، وتضعنا أمام خسارات لا تكفي المعرفة وحدها لتخفيف وطأتها.

في عام 1939 سافرت زوجته الإنجليزية إلى بلادها لزيارة أهلها، وكان معها طفلهما، ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية، فانقطعت طرق العودة والاتصال بينهما. وبعد ذلك بلغه نبأ غرق ابنه في حادث سفينة، بينما ظلت زوجته بعيدة عنه، تحول الحرب دون اجتماعهما. وتذكر بعض الروايات أنه كان له طفلان. كان ذلك أكثر من غياب عابر أو فراق مؤقت. لقد اجتمعت عليه خسارة الابن، وغياب الزوجة، وانقطاع الصلة بالحياة الأسرية التي عرفها، في وقت كانت الحرب تجعل المستقبل غامضًا، واللقاء الذي ينتظره أمرًا لا يستطيع ضمانه.

يمكننا أن نتخيل مقدار الألم الذي يتركه مثل هذا الفقد في نفس إنسان يعيش بعيدًا عن أسرته، ويجد نفسه عاجزًا عن الوصول إليها أو الاطمئنان عليها. فلا أحد يستطيع أن يحدد بدقة ما كان يدور في نفسه، ولا أن يرد انهياره إلى حادثة واحدة، مهما بلغت قسوتها. ماذا يحدث حين يفقد الإنسان المصدر الذي كان يمنح حياته معناها، بينما تظل قدراته العقلية والفكرية قائمة، ولا تستطيع أن تعيد إليه ما فقده؟

لقد كان فخري قادرًا على أن يبني عالمًا من الكتب، وأن يقرأ الأدب العربي والإنجليزي، وأن يقارن بينهما، وأن يكتب ويترجم ويبحث. لكن أيًّا من هذه القدرات لم يكن في وسعه أن يعيد ابنه، أو أن ينهي الحرب، أو أن يجعل المسافة بينه وبين زوجته أقصر.

هنا تظهر حدود العقل أمام بعض تجارب الحياة. فالعقل يستطيع أن يفسر كثيرًا من الأشياء، لكنه لا يستطيع أن يلغي وقوعها. يستطيع أن يدرك أسباب الفقد، لكنه لا يملك أن يعيد ما ضاع. وقد يفهم الإنسان حقيقة ما حدث فهمًا كاملًا، ثم يظل عاجزًا عن احتمال أثره العاطفي.

إن المعرفة تمنحنا قدرة على تفسير العالم، لكنها لا تمنحنا بالضرورة القدرة على احتمال كل ما يحدث فيه.

كان عالم فخري الصغير، المتمثل في أسرته، أشبه ببستان تتجمع فيه ثمار حياته. أما عالم الأدب فكان الفضاء الأوسع الذي يتحرك فيه عقله. وحين تعرض البستان للخراب، لم يكن الأمر مجرد فقد لأشخاص يحبهم؛ بل ربما اهتزت معه الصلة التي تربط العمل بالحياة، والمعرفة بالمتعة، والمستقبل بالأمل.

فما جدوى أن يكتشف الإنسان آفاقًا جديدة في الأدب، إذا كان لا يجد في حياته الخاصة من يشاركه فرحة الاكتشاف؟ وما معنى أن يمتلك عقلًا يطوف بين الثقافات، بينما يعجز عن الوصول إلى أحبائه؟ وكيف يستطيع المرء أن يعود إلى كتبه، حين تصبح الصفحات التي كان يجد فيها متعته عاجزة عن تخفيف ألم يملأ حياته؟

لا يعني ذلك أن الأدب فقد قيمته عند فخري، أو أن العقل لم يعد قادرًا على العمل، وإنما يعني أن الإنسان ليس عقلًا وحده. إنه ذاكرة ومشاعر وروابط وتوقعات، وحين تتعرض هذه الروابط لصدمة عنيفة، لا تكفي قوة التفكير وحدها لإعادة التوازن.

كان البحر الذي أحبه فخري قادرًا على أن يمنحه السكينة في لحظات، لكنه لم يكن قادرًا على أن يرد إليه أسرته. وبين هذا العالم الذي يستطيع أن يجول فيه بعقله، وذلك العالم الذي يريد الوصول إليه بقلبه، اتسعت فجوة مؤلمة.

وفي الحادي والعشرين من أكتوبر سنة 1940، انتهت حياته في الإسكندرية منتحرًا. وقد ارتبطت باليأس الذي أصابه بعد فقد ابنه وانقطاع أخباره عن زوجته. ليس بالضرورة أن يكون الإنسان ضعيف العقل حتى يعجز عن مواجهة ألمه، كما أن امتلاك عقل قوي لا يعني امتلاك حصانة ضد الانهيار النفسي. فقد يعرف المرء الكثير عن الحياة، ويملك أدوات دقيقة لفهم النفس الإنسانية في الأدب، ثم يجد نفسه أمام تجربة شخصية لا تمنحه معرفته وحدها القدرة على تجاوزها.

ولعل أكثر ما يستحق التأمل في حكايته أن العالم الذي شيده بعقله لم يكن قادرًا على تعويض العالم الذي فقده بقلبه. لم تكن المشكلة أن الأدب عالم ضيق، بل هناك حاجات إنسانية لا يستطيع أي عالم فكري، مهما اتسع، أن يحل محلها.

لقد رحل فخري في عمر مبكر، وبقيت دراساته ومقالاته شاهدًا على عقل كان قادرًا على أن يقدم الكثير للأدب العربي. لكن وراء هذا العقل الناقد الذي نقرأ آثاره، كان هناك إنسان له بيت وأسرة وأحلام، وكان ينتظر أن يعود إلى حياته التي يحبها.

وتبقى حكايته أكثر من سيرة أديب انتهت حياته على نحو مأساوي؛ إنها تذكير بأن الإنسان قد يمتلك عالمًا كاملًا من المعرفة، ومع ذلك يحتاج إلى عالم صغير من الحب كي يشعر بأن للحياة معنى. نحن نحتاج إلى ما نفهمه، لكننا نحتاج أيضًا إلى من نحبهم، وإلى الروابط التي تجعل وجودنا أكثر من مجرد عبور في عالم واسع.

وربما كان البستان الصغير الذي يمنح حياتنا طعمها أهم، في لحظات كثيرة، من العالم الواسع الذي نستطيع أن نطوف فيه بعقولنا. فحين نفقده، لا نفقد أشخاصًا فحسب، بل قد نفقد معه الطريق الذي كان يقودنا إلى الحياة.

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.