كشفت نيفين أبو حمدة، الباحثة بوحدة الدراسات الإسرائيلية في مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم، عن التحولات التي طرأت على مواقف الأحزاب الحريدية في إسرائيل، وكيف نجح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في استقطاب هذه القوى الدينية إلى معسكره السياسي على مدار سنوات، عبر التعهد بحماية مصالحها وامتيازاتها، وفي مقدمتها الميزانيات المخصصة للمعاهد الدينية والإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية.
وأوضحت أبو حمدة أن التحالف بين نتنياهو والأحزاب الحريدية يواجه تحديات متزايدة في ظل أزمة التجنيد، والخلافات الداخلية بين القيادات الدينية، وتراجع الثقة في جدوى استمرار الشراكة السياسية، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مستقبل هذه الأحزاب وقدرتها على الحفاظ على نفوذها داخل الحكومة الإسرائيلية.
كيف تغيّر موقف الحريديم من السياسة ومشروع إسرائيل الكبرى؟
وأشارت الباحثة، في تصريحات صحفية، إلى أن قطاعات من الحريديم كانت تنطلق تقليديًا من مبدأ تلمودي مفاده أن «أُنزلت التوراة لنعيش بها، لا لنموت من أجلها»، بما يعكس أولوية دراسة التوراة والالتزام بالشريعة الدينية على الانخراط في الصراعات السياسية والقومية.
وأضافت أن هذا التوجه انعكس في مواقف تاريخية لبعض القيادات الحريدية، من بينها الحاخام عوفاديا يوسف، الزعيم الروحي لحركة شاس، الذي أفتى بإمكانية التنازل عن الأرض لإنقاذ حياة اليهود، استنادًا إلى اعتبارات دينية، وهو ما أتاح للحركة تأييد اتفاقية أوسلو عام 1993.
لكن هذا النمط، بحسب أبو حمدة، شهد تحولات تدريجية مع صعود حزب الليكود وتنامي نفوذ اليمين الإسرائيلي، إذ باتت قطاعات من الشباب الحريدي أكثر تفاعلًا مع المشروع القومي للصهيونية الدينية، وأكثر تشددًا في قضايا الصراع والاستيطان.
وترى الباحثة أن هذه التحولات ضيّقت مساحة المناورة السياسية أمام قيادات حزبي شاس ويهدوت هتوراة، إذ أصبح التقارب مع أحزاب الوسط واليسار أكثر صعوبة، في ظل مخاوف من فقدان الدعم داخل القواعد الانتخابية التي ترى في التحالفات السياسية انعكاسًا لهويتها الدينية وتصوراتها بشأن مستقبل إسرائيل.
«فخ التحالف مع نتنياهو».. امتيازات مقابل الارتهان السياسي
وأكدت أبو حمدة أن نتنياهو نجح، على مدار ما يقرب من عقدين، في تقديم نفسه إلى قطاعات من المجتمع الحريدي باعتباره الضامن الأساسي لمصالحها، من خلال الحفاظ على الامتيازات الاجتماعية والميزانيات المخصصة للمؤسسات الدينية، إلى جانب دعم المواقف الرافضة لفرض الخدمة العسكرية الإلزامية على طلاب المعاهد الدينية.
وأضافت أن هذا التحالف، رغم ما وفره للأحزاب الحريدية من نفوذ سياسي وفرص للمشاركة في السلطة، جعلها أكثر ارتباطًا بمعسكر سياسي واحد، وقلّص قدرتها على التحرك نحو بدائل أخرى، ما يضع مستقبلها الانتخابي أمام تحديات تتعلق بالعزلة السياسية والانقسامات الداخلية.
وبحسب الباحثة، زادت تداعيات هجمات 7 أكتوبر والحرب التي أعقبتها من تعقيدات المشهد الإسرائيلي، في وقت تصاعد فيه الجدل بشأن قانون تجنيد الحريديم وضغوط المحكمة العليا، الأمر الذي رفع الكلفة السياسية للتحالف مع الأحزاب الحريدية لدى شرائح من المجتمع الإسرائيلي.
وترى أبو حمدة أن هذه التطورات قد تجعل الأحزاب الحريدية عبئًا على بعض شركائها السياسيين بدلًا من أن تكون ورقة رابحة، رغم ما تتمتع به من قاعدة انتخابية منظمة وقدرة على حشد الناخبين استنادًا إلى توجيهات القيادات الدينية.
ثلاث عائلات للأحزاب الدينية في إسرائيل
وفي تحليلها لخريطة الأحزاب الدينية، أوضحت أبوحمدة أن الحريديم لا يمثلون كتلة سياسية متجانسة، رغم استخدام المصطلح أحيانًا بهذا المعنى، مشيرة إلى إمكانية التمييز بين ثلاثة اتجاهات رئيسية تختلف في أولوياتها ومواقفها السياسية.
ويتمثل الاتجاه الأول في أحزاب المساومة على المصالح، وفي مقدمتها شاس ويهدوت هتوراة، التي تركز على حماية مصالح جمهورها، بما يشمل التمويل الديني والامتيازات المرتبطة بالتجنيد.
أما الاتجاه الثاني، فيتمثل في الصهيونية الدينية، التي تربط مشروعها الديني بأهداف قومية وسياسية، تشمل الاستيطان والضم والتأثير في التغييرات القضائية والسيطرة على المناصب الوزارية المؤثرة.
ويأتي الاتجاه الثالث ممثلًا في حزب «عوتسما يهوديت»، الذي يجمع بين التوجه القومي والخطاب الشعبوي، ويخوض المنافسة السياسية وفق أولويات تختلف في بعض جوانبها عن حسابات الأحزاب الحريدية التقليدية.
ووفقًا لهذا التصنيف، تفسر الباحثة طبيعة التنسيق الانتخابي بين هذه القوى، واختلاف مواقفها بشأن التجنيد والتسويات السياسية، فضلًا عن التنافس فيما بينها على القيادة والمناصب والنفوذ داخل الحكومة.
اتفاقات فائض الأصوات تكشف اضطراب المشهد الانتخابي
وفيما يتعلق بالاستعدادات الانتخابية، أشارت ابوحمدة إلى أن اتفاقات فائض الأصوات لم تُنهِ الخلافات بين أحزاب اليمين والأحزاب الدينية، إذ أبرم حزب شاس اتفاقًا مع يهدوت هتوراة، فيما اتفق الليكود مع حزب الصهيونية الدينية، بينما جرى استبعاد عوتسما يهوديت من هذه التفاهمات.
وأضافت أن إيتمار بن جفير اتهم الليكود بمحاولة تحجيم حزبه وفتح المجال أمام تشكيل حكومة وحدة، في حين لم ينجح في التوصل إلى اتفاق مع حزب «عميخ يسرائيل»، ما يعني خوضه الانتخابات منفردًا، وفقًا لما ورد في تصريحات الباحثة.
وفي المقابل، يواجه حزب يهدوت هتوراة، بحسب أبو حمدة، خلافات داخلية بين الحاخامات انعكست على نشاط حملته الانتخابية، وسط غموض بشأن إمكانية احتواء هذه الخلافات قبل موعد الاقتراع.
أما حزب شاس، فتبدو حساباته أكثر تعقيدًا، في ظل وجود ناخبين من عائلات يخدم أبناؤها في الجيش الإسرائيلي، وعدم توافق بعضهم مع مواقف الحزب من التجنيد، وهو ما قد يدفع بعض الناخبين إلى التحول لأحزاب أخرى، مثل يش عتيد أو عوتسما يهوديت، بينما قد يختار آخرون الامتناع عن التصويت.
تراجع محتمل في المشاركة الانتخابية للحريديم
ونقلت أبو حمدة عن عضو الكنيست يتسحاق جولدكنوبف، المنتمي إلى حزب يهدوت هتوراة، قوله إن الرغبة في المشاركة بالانتخابات تراجعت بنحو 10% بين الناخبين الحريديم، وفقًا لاستطلاعات داخلية، مع الإشارة إلى أن هذه المؤشرات قد تتغير قبل يوم الاقتراع.
وأضافت أن هذه المعطيات تثير تساؤلات بشأن قدرة الأحزاب الحريدية على الحفاظ على حجم تمثيلها البرلماني، وعدم ضمان حصولها على ما بين 14 و15 مقعدًا، وفق التقديرات التي أوردتها.
كما أشارت إلى وجود انتقادات داخلية لنتنياهو، عبّر عنها بعض المنتمين إلى يهدوت هتوراة، بسبب ما وصفوه بتكرار الإخفاق في الوفاء بالتعهدات المتعلقة بمصالح الحريديم، وهو ما قد يضعف الثقة المتبادلة بين الطرفين.
مستقبل التحالفات الدينية.. من الشراكة المضمونة إلى الشراكة المشروطة
واختتمت أبو حمدة تحليلها بالإشارة إلى أن الأحزاب الحريدية تواجه معادلة سياسية أكثر تعقيدًا من السابق؛ فالحفاظ على الامتيازات الدينية والمالية يتطلب استمرار المشاركة في التحالفات الحكومية، بينما تفرض أزمة التجنيد والانقسامات الداخلية ضغوطًا متزايدة على هذه الشراكة.
وترى الباحثة أن مستقبل هذه الأحزاب سيتوقف على قدرتها على الموازنة بين مطالب قواعدها الانتخابية ومتطلبات التحالفات السياسية، في ظل تراجع الثقة في الشركاء التقليديين وتصاعد الخلافات بشأن التجنيد والتمويل الديني، وبذلك، لم يعد التحالف بين نتنياهو والأحزاب الحريدية ضمانة تلقائية لاستمرار النفوذ السياسي، بل أصبح، وفق قراءة أبوحمدة، شراكة مشروطة تتوقف على قدرة الأطراف على تسوية خلافاتها والحفاظ على مصالحها المتبادلة.


التعليقات