ثمة فارق جوهري بين أن تُحمَّل الذخيرة على متن حاملة طائرات، وأن يُتخذ قرار إطلاقها. الأول إجراء لوجستي قابل للرصد والتوثيق، والثاني سياسي لا تكشفه صور الطائرات على سطح السفينة. وما وثّقته " وول ستريت جورنال " في زيارتها النادرة إلى حاملة الطائرات جورج واشنطن في بحر خليج العرب ينتمي إلى الفئة الأولى بامتياز: طائرات تُجهَّز، وصواريخ هجوم أرضي بعيدة المدى وقنابل خارقة للتحصينات تُنزَل من طائرات النقل، وإمدادات تُعاد تعبئتها.
لكن الفجوة بين هذا المشهد وبين الضربة الفعلية هي بالضبط الفجوة التي تدور حولها حسابات واشنطن هذه الأيام، بين متطلبات عسكرية تفرض الاستعداد، وقيود سياسية تفرض التأجيل، وبين ما يستطيع الجيش أن يفعله وما يقرر السياسي أن يفعله.
ما الذي تغيّر فعلًا على سطح "جورج واشنطن"؟
لم يكن ما رصده مراسلا الصحيفة، شيلبي هوليداي وإيف هارتلي، إمدادًا روتينيًا؛ فإلى جانب عمليات انطلاق الطائرات، شهدت الزيارة شحنة ضخمة من صواريخ الهجوم الأرضي بعيدة المدى والقنابل الخارقة للتحصينات المصممة لاختراق الأهداف الأرضية.
وهذه الأخيرة ليست ذخيرة اعتراضية دفاعية، بل أدوات هجومية موجهة ضد منشآت مُحصنة، وهو ما يفسر لماذا قرأت الأوساط العسكرية في المشهد مؤشرًا على استعداد لهجوم، لا على مجرد تعزيز دفاعي.
غير أن قائد الحاملة، الكابتن نيكولاس ديليو، صاغ الموقف بلغة أكثر حذرًا: "نحن مستعدون دائمًا... نراقب محيطنا ونستعد للرد بشكل تلقائي أو استباقي". عبارة تكفي لتأكيد الجهوزية، لا النية.
ووفق مسؤولين أميركيين مطلعين على التخطيط، فإن السفن تستعد لتصعيد في القتال في حال اختار الرئيس ترمب جولة جديدة من الضربات على إيران في الأسابيع المقبلة، في إشارة إلى أن ما يجري ليس مناورة نفسية عابرة، بل بناء تدريجي لقدرة قابلة للاستخدام.
اقرأ أيضًا: هل تكفي ذخائر ترامب لضرب إيران بعد الانتخابات النصفية؟

الحشد الأكبر.. 3 حاملات و40 ألف جندي
ووفق متابعة مركز صوفان للأبحاث، تعمل مجموعتا حاملات طائرات أميركيتان في المنطقة، بينما تتجه ثالثة، ثيودور روزفلت، للانضمام إليهما، ليصل العدد إلى ثلاث مجموعات بحلول نهاية أكتوبر، وهو مستوى لم يُشهد منذ 2003 حين أطلقت واشنطن حربها على العراق.
ترفع هذه الحشود عدد البحارة والمشاة البحرية العائمين إلى أكثر من 20 ألفًا ، إضافة إلى قرابة 40 ألفًا آخرين منتشرين في قواعد الخليج.
وتضيف مجموعة ماكين آيلاند البرمائية طائرات إف-35 مقاتلة ومركبات قتال مدرعة، ما يمنح واشنطن خيارات تتجاوز الضربات الجوية إلى عمليات محدودة على الأرض. الحشد إذن ليس لضربة واحدة، وإنما لمجموعة سيناريوهات تبدأ بالضربة الجوية ولا تنتهي عندها، وتمنح البيت الأبيض أوراق ضغط لا تتوقف عند حدود الردع.

القيد السياسي.. نوفمبر يسبق أي قرار
وقد أعلن ترامب صراحة أنه لن يضرب إيران قبل انتخابات منتصف المدة في الثالث من نوفمبر، فيما أكد البنتاجون أن مهمة الجيش هي تطوير الخيارات وعرضها على الرئيس، مع تحذير مسؤولين من أن "لا قرار اتُخذ بعد".
وتتقاطع هذه الرواية مع تقارير عن خطط أميركية - إسرائيلية لضربة محتملة في أوائل نوفمبر بعد الانتخابات، بعد أن اعترض ترامب على توقيت إسرائيلي سابق سبق انتخاباتها في 27 أكتوبر.
والأهداف المرجحة، إن تحقق السيناريو، تشمل البنية التحتية للطاقة والمنشآت النووية ومخزونات الصواريخ والطائرات المسيرة، وفق ما نقلته نيويورك تايمز عن مسؤولين. غير أن ترامب، وفق هذه التقارير نفسها، أحبط مرارًا خططًا للعودة إلى القتال، ما يجعل الفارق بين الاستعداد والتنفيذ أوسع من أي وقت مضى، ويضع الانتخابات كحاكم أول لأي قرار، لا كتفصيل ثانوي في حسابات البنتاغون. فالتوقيت هنا ليس إجراءً إداريًا، بل متغير يحدد ما إذا كانت الضربة أداة تفاوض أم اندفاعًا انتخابيًا.
اقرأ أيضًا: خطة الهجوم على إيران.. لماذا تراجع نتنياهو عن ضربات 10 أكتوبر؟

روسيا.. وسيط بلا أوراق؟
بعيدًا عن الحشد، تبدو موسكو أقرب إلى مراقب يملك النوايا لا الأدوات. يقول أوليج إجناتوف، كبير محللي الشؤون الروسية في مجموعة الأزمات الدولية، في ردّه على أسئلة " مصراوي "، إن موسكو "لن ترحب بطبيعة الحال بتصعيد جديد ضد إيران"، وإنها تقدم مساعدات لطهران يصعب تقييم أثرها على قدراتها الدفاعية، وتود المساعدة في تجنب المواجهة وحل النزاع حول مضيق هرمز والبرنامج النووي، لكن الولايات المتحدة "لم تُبدِ سابقًا اهتمامًا كبيرًا" بالمبادرات الروسية. ويضيف أن بوتين حاول نقل رسائل من القيادة الإيرانية إلى ترامب، دون أن يتضح مضمونها، ويستبعد أن يتغير دور روسيا جوهريًا في أي تصعيد قادم.

إيران وصفة الحرب المستمرة
في المقابل، لم تنتظر طهران. ووفق تحليل مركز صوفان ، انتقلت إيران من الصبر الاستراتيجي والضبط العسكري الذي ميّز نهجها قبل الحرب، إلى استراتيجية تصعيد مضاد تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الأمني والاقتصادي في الشرق الأوسط لصالحها.
وأعلن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن عهد الردود المتناسبة قد انتهى، وأن أي مساس بمصالح إيران سيلقى ردًا أسرع وأثقل وأكثر إيلامًا. وأبلغ الحرس الثوري، عبر وكالة فارس، أن الممرات البحرية الجنوبية عبر مضيق هرمز ستُغلق قريبًا.
وعمليًا، يعني ذلك أن أي ضربة أميركية ستُقابَل بضربات على البنية التحتية الخليجية والممرات البحرية، وربما أسواق الطاقة العالمية، وهو ما رصده تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية في اتساع مجموعات الأهداف لتشمل البنية التحتية المدنية مرة أخرى، وفي أن التصعيد بات يغذي نفسه بنفسه.
والمفارقة أن الاستعداد العسكري، كلما اتسع، خلق منطقًا تصعيديًا ذاتيًا يتجاوز نية صانع القرار. فكل طرف يحسب أنه قادر على إيلام الآخر بما يكفي لإجباره على التراجع، وهي بتعبير مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية وصفة حرب مستمرة.
وبينما تنتظر السفن الأميركية في بحر العرب إشارة سياسية قد تتأخر إلى ما بعد الثالث من نوفمبر، تبقى المسافة بين الذخيرة المحمّلة والقرار المؤجل هي المساحة التي تُحسم فيها، أو تُؤجل، جولة قتال جديدة. وإلى أن تُحسم، يظل المشهد على سطح جورج واشنطن أقرب إلى إعلان جهوزية منه إلى إعلان حرب، ويظل السؤال الحقيقي ليس هل الذخيرة جاهزة، بل هل القرار جاهز؟


التعليقات