هدى العراقي تكتب: «هنا القاهرة» بعد 100 عام هل تستطيع الإذاعة المصرية البقاء في عصر البود كاست

هدى العراقي
هدى العراقي

في مساء 31 مايو 1934، لم تكن مصر على موعد مع جهاز بث جديد، بل مع تحول عميق في علاقتها بتاريخها وتراثها. فحين افتتح أحمد سالم الإرسال بعبارة «هنا القاهرة سيداتي وسادتي»، ثم جاءت تلاوة الشيخ محمد رفعت، دخلت البلاد عصراً لم يعد فيه الصوت مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح صانعاً للذاكرة، وحافظاً للتراث، ومؤثراً في وعي المصريين.

واليوم، وفي عام 2026، أمام مناسبة لا تتكرر في عمر الأجيال. مرور مائة عام على ميلاد الإذاعة المصرية. ففي العاشر من مايو 1926 صدر المرسوم الذي نظّم المواصلات اللاسلكية، وفتح الباب أمام أولى المحطات الأهلية في القاهرة والإسكندرية، وهو التاريخ الذي اعتمدته الهيئة الوطنية للإعلام ميلاداً للإذاعة المصرية. لم تكن الإذاعة المصرية مجرد محطة رسمية بدأت بعد تجارب أهلية سبقتها في القاهرة والإسكندرية خلال عشرينيات القرن العشرين. لقد كانت نقطة فاصلة بين زمن المبادرات الخاصة وزمن المؤسسة الوطنية التي ستتحول لاحقاً إلى أحد أهم صانعي الوعي العام في مصر. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن التاريخ والتراث والأثر بعد الإذاعة، لا بوصفها حدثاً احتفالياً عابراً، بل بوصفها بداية لمسار طويل أعاد تشكيل علاقة المصريين بصوتهم وذاكرتهم.

بعد عام 1934 درّبت الأذن المصرية على الاستماع المتزامن، ومهّدت لتكوين سوق وثقافة صوتية جديدتين. ولم تعد الإذاعة مجرد ناقل للأخبار، بل أصبحت مؤسسة تربوية وثقافية وترفيهية، ساهمت في تشكيل الأجيال، وفي حفظ التراث، وفي إنتاج خطاب مصري مفهوم في كل ربوع البلاد.

ومن هنا تكتسب المئوية معناها الحقيقي. فهي ليست شمعة تُضاف إلى قالب احتفال، بل وقفة أمام مسيرة قرن كامل، بدأت بهواة يبثّون من غرف صغيرة في القاهرة والإسكندرية، ثم صارت صوتاً لدولة، ثم ذاكرة لأمة. قرنٌ انتقل فيه الأثير من الجهاز الخشبي ذي الصمامات إلى الهاتف المحمول، ولم يفقد الصوت سحره الأول أن يدخل البيت بلا استئذان، ويجلس إلى الإنسان وحده، ويقول له إنه ليس وحيداً.

تدخل هذه الذاكرة اليوم اختباراً جديداً هل تستطيع الإذاعة أن تستمر في زمن البودكاست؟ فالبودكاست يمنح المستمع حرية اختيار ما يسمع ومتى يسمع، ويقدّم صوتاً حميماً متخصصاً يخاطب اهتماماً بعينه. أما الإذاعة فتملك ما لا يملكه بسهولة الآنية والبث المباشر الذي يجمع الناس في اللحظة نفسها، والوصول إلى جمهور عام لم يبحث عنها، والثقة والمرجعية التي بُنيت على مدى قرن، وأرشيف ضخم من الدراما والغناء والوثائق. غير أن الاكتفاء بالبث الخطّي وحده سيُبعد الشباب تدريجياً، ولذلك يرتبط بقاؤها بتحوّلها من محطة تبث إلى منصة صوتية تبث مباشرة وتتيح ما بثّته عند الطلب. ويتحقق ذلك بتحويل برامجها إلى حلقات بودكاست، وصناعة محتوى صوتي موجَّه للشباب، وإعادة تقديم أرشيفها التراثي بسياق حديث. فالوسائط لا تموت حين يظهر غيرها، بل تتغير وظائفها. وكما لم تُلغِ الإذاعةُ الكتابَ، ولم يُلغِ التلفزيونُ الإذاعةَ، لن يُلغي البودكاستُ الإذاعةَ إن عرفت كيف تعيد اكتشاف نفسها.

لكي نمنح المستقبل فرصة لأن يسمع مصر كما كانت، ويفهم كيف أصبحت ويسألها إلى أين تمضي؟ وتظل مصر قادرة على أن تقول لنفسها وللعالم (هنا القاهرة).

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.