هدنة العزلة.. حين نرحل إلى أنفسنا

محمود عبد الراضي
محمود عبد الراضي

تجيء لحظة فارقة في حياة المرء، يُبصر فيها ذاته وكأنه يراها من ثقب باب قديم؛ يكتشف أنه أهدر مخزونه الثمين من الشغف في معارك كلامية لم تطعم روحاً ولم تُغنِ من فكر.

صببت كلماتك في كؤوس لا تقبل الارتواء، وشرحت ما لا يُشرح حتى تحولت وجهة نظرك إلى مجرد سراب يُطارد في صحراء عدم الفهم، برّرت حضورك، وفسّرت غيابك، وقدمت أوراق اعتماد حسن نيتك على موائد لم تستطع تذوق صدقك.

وفي غمرة ذلك الشد والجذب، يطرق الإنهاك باب القلب دون استئذان، تدرك فجأة أنك استهلكت نفسك كلياً، ومحوت ملامحك لترسم رضى الآخرين.

هنا، ينطفئ محرك الحديث، وتستقيل البلاغة من مهامها، ويغدو البيان عبئاً لا يُطاق، ليس الأمر غروراً ولا انكساراً، بل هو إفلاس محتوم في سوق المجاملات، حيث أصبحت القيمة تُقاس بما تدفعه من صحتك النفسية وطاقتك الاستيعابية.

الرحيل إلى الوطن الخفي

تتوقف الحبال الصوتية عن الاهتزاز، فتُعلن الروح الهروب الكبير، تبتعد عن صخب الزحام وعيون الفضوليين، تولي وجهك شطر أقرب ملاذ آمن؛ قد يكون زاوية دافئة في غرفة هادئة، أو مقعداً خشبياً يطل على لا شيء، أو حتى مساحة بيضاء في ذاكرتك لم يطأها الأخرون بعد، تجلس هناك، تعيد ترتيب البعثرة، وتضمد جراح الكلمات التي قيلت والتي أُسقطت عمداً.

الاكتفاء الذاتي كطوق نجاة

في ذلك الملاذ، تكتفي بنفسك وتتصالح مع صمتك، تجد في العزلة دفء المؤانسة التي حرمك منها ضجيج البشر، تكتشف أن الانسحاب في الوقت المناسب ليس هزيمة، بل هو النصر الوحيد المتبقي لكرامة الشعور، هو قرار حكيم بأن تسترد ما تبقى منك، لتبدأ رحلة التعافي الصامت، بعيداً عن أضواء المسرح التي أحرقت الممثل والجمهور معاً.

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.