لا تكتفي ماكينة الدعاية الإخوانية بنقل الوقائع كما هي وإنما تتعامل معها باعتبارها مادة قابلة لإعادة التصنيع، فالواقعة المحدودة يمكن أن تتحول إلى أزمة عامة، والمشكلة العابرة يمكن أن تقدم باعتبارها دليلا على انهيار شامل، والمنشور الفردي يمكن أن يجد طريقه إلى منصة إعلامية ليظهر وكأنه يعبر عن رأي مجتمع كامل، بينما يجري تجاهل السياق الذي يحدد حجم الواقعة وحقيقتها، وفي هذه المساحة تحديدا تبدأ صناعة الرواية التي لا تكتفي بوصف الواقع، وإنما تسعى إلى إعادة تشكيل صورته في ذهن المتلقي.
الفكرة تقوم على معادلة واضحة تتمثل في تضخيم المشكلة إلى أقصى حد ممكن، ثم البحث عن تفسير واحد يجمع تحت مظلته أكبر عدد من الوقائع، وبعدها تقديم أصحاب الخطاب باعتبارهم الطرف الذي يملك الإجابة، ولذلك لا تكون الأزمة في بعض الأحيان هي الهدف النهائي، وإنما تكون مجرد مدخل لتجهيز الجمهور لتقبل "الحل" الذي سيظهر في نهاية الرواية.
واقعة محدودة تتحول إلى أزمة عامة
وقد تكون البداية واقعة حقيقية بالفعل، لكن المشكلة تبدأ عندما يجري انتزاعها من سياقها وإعادة تقديمها بصورة توحي بأنها أكبر مما هي عليه، ثم ربطها بوقائع أخرى مختلفة في طبيعتها وتوقيتها وأسبابها، ومع استمرار إعادة النشر والتعليق عليها، تتسع المساحة التي تشغلها داخل الخطاب، ويتحول الحديث عنها من واقعة محددة إلى جزء من صورة عامة يراد تثبيتها لدى الجمهور، حتى يصبح السؤال عن التفاصيل أقل حضورا من الانطباع الذي تركته الرواية.
وتعتمد هذه الآلية بدرجة كبيرة على إعادة تدوير المحتوى، خاصة عندما يتعلق الأمر بمقاطع قديمة أو منشورات فردية أو روايات لم تستكمل عناصر التحقق منها، إذ يمكن إعادة تقديم المادة نفسها في سياق جديد يجعلها تبدو مرتبطة بحدث مختلف، أو الاستناد إلى منشور شخصي باعتباره مؤشرا على اتجاه عام، ثم إعادة تداوله عبر منصات متعددة بما يمنحه حضورا أكبر من حجمه الحقيقي، وهنا تصبح كثرة التداول عاملا مؤثرا في صناعة الانطباع، رغم أن عدد مرات النشر لا يمثل في حد ذاته دليلا على صحة المحتوى.
تجميع الأزمات وصناعة رواية واحدة
الأخطر أن هذه الرواية لا تتوقف عند تضخيم المشكلة، وإنما تنتقل إلى البحث عن مسؤول واحد يمكن تحميله كل الأزمات، فتتداخل الملفات المختلفة داخل خطاب واحد، وتتحول المشكلات التي تحتاج إلى تفسير تفصيلي إلى نتائج جاهزة، ويجري تقديم كل واقعة جديدة باعتبارها دليلا إضافيا على الرواية السابقة، وبذلك تختفي الفروق بين الملفات، ويتراجع السؤال عن الأسباب الحقيقية لكل أزمة، لأن الهدف يصبح تثبيت صورة عامة تقول إن كل ما يحدث ليس سوى نتيجة واحدة لسبب واحد.
وفي المقابل، يظهر الخطاب الذي يقدم نفسه باعتباره البديل القادر على تجاوز هذه الأزمات، وهنا تتضح الحلقة التي تربط بين تضخيم المشكلة وتسويق الحل، فكلما نجحت الدعاية في إقناع المتلقي بأن الواقع أكثر سوءا مما هو عليه، أصبح صاحب الرواية أكثر قدرة على تقديم نفسه باعتباره الطرف الذي يمتلك المخرج، ومن خلف الشاشات تظهر وصفات جاهزة لملفات شديدة التعقيد، وكأن الاقتصاد والسياسة والإعلام والمجتمع يمكن التعامل معها بالآلية نفسها، وكأن إدارة الدولة تحتاج إلى نبرة واثقة أكثر مما تحتاج إلى مؤسسات وخطط وأدوات تنفيذ.
حين يختلط الخبر بالرأي تتحول الرواية إلى حقيقة
وتزداد خطورة هذا الخطاب عندما يختلط الخبر بالرأي والتحليل بالدعاية، فيجد المتلقي نفسه أمام محتوى لا يحدد بوضوح أين تنتهي المعلومة وأين يبدأ التفسير، خصوصا عندما يجري تقديم رأي شخصي على أنه حقيقة عامة أو التعامل مع منشور فردي باعتباره تعبيرا عن الشارع كله، فالتجربة الفردية تظل تجربة فردية مهما بلغ انتشارها، والمنشور لا يتحول إلى استطلاع للرأي العام لمجرد أن منصة إعلامية قررت إعادة تقديمه بهذه الصورة.
كما أن إعادة نشر المقاطع القديمة في سياقات جديدة تفتح الباب أمام صناعة روايات مضللة، لأن المتلقي قد يرى المادة للمرة الأولى فيظن أنها مرتبطة بالحدث الجاري، بينما تكون الواقعة قد حدثت في توقيت مختلف تماما، ومع غياب السياق يمكن للمحتوى نفسه أن يؤدي وظيفة مختلفة عن الغرض الذي ظهر من أجله، وهو ما يجعل التحقق من التاريخ والمصدر والسياق خطوة أساسية قبل التعامل مع أي مادة باعتبارها دليلا على واقع حالي.
التكرار يصنع الانطباع.. ولا يصنع الحقيقة
ولا تحتاج ماكينة الدعاية الإرهابية في هذه الحالة إلى إقناع الجمهور بكل تفصيلة، وإنما يكفيها أن تترك لديه انطباعا عاما متماسكا فحين تتكرر الرسالة من أكثر من منصة، وتوضع إلى جوارها وقائع مختلفة، وتقدم جميعها باعتبارها حلقات في القصة نفسها، يبدأ المتلقي في التعامل مع الرواية باعتبارها تفسيرا شاملا لما يحدث، حتى لو لم يكن كل جزء منها يستند إلى الدليل نفسه أو إلى مستوى التحقق ذاته.
وهنا يصبح تفكيك الرواية أكثر أهمية من الدخول في سباق مع ماكينة التكرار لأن مواجهة كل منشور على حدة قد تمنح الرواية مساحة إضافية، بينما يمكن تفكيكها من جذورها بالعودة إلى الأسئلة الأساسية وهي ما مصدر الواقعة؟ متى حدثت؟ هل المقطع حديث أم قديم؟ هل الرقم كامل أم جرى اقتطاعه؟ هل المنشور يمثل صاحبه أم جرى تقديمه باعتباره صوتا عاما؟ وهل الوقائع التي جرى جمعها داخل رواية واحدة مرتبطة فعلا أم أن الرابط بينها هو الاستخدام الدعائي فقط؟
تفكيك الرواية يبدأ بإعادة كل شيء إلى حجمه
عندما تعود هذه الأسئلة إلى المشهد تستعيد الوقائع أحجامها الحقيقية ويصبح من الممكن الفصل بين الخبر والرأي، وبين الواقعة والاستنتاج، وبين النقد المشروع والدعاية التي تسعى إلى بناء صورة شاملة من أجزاء متفرقة، وعندها أيضا يصبح الحديث عن "الحل" أكثر احتياجا إلى الفحص، لأن تقديم وصفة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية لا يجعلها قابلة للتنفيذ، كما أن الحديث بثقة أمام الكاميرا لا يمنح صاحبه تلقائيا القدرة على إدارة الملفات التي يتحدث عنها، فالمشكلة الحقيقية ليست فقط في تضخيم الواقعة، وإنما في تحويل التضخيم نفسه إلى مقدمة لبيع حل جاهز لأن من يصنع في ذهن الجمهور صورة بأن كل شيء ينهار، يصبح أكثر قدرة على إقناعه بأن لديه وحده القدرة على إنقاذ ما صوره باعتباره منهارا.


التعليقات