في الوقت الذي ينعقد فيه منتدى مصر 2026م، أرى أننا بحاجة إلى أن نتوقف قليلًا أمام معنى الحوار والمسؤولية الوطنية، فالقضية ليست مجرد منتدى تُعقد فيه الجلسات وتُطرح فيه الكلمات، وإنما فرصةٌ لنتحدث عن مستقبل بلدنا، وما نريده لأبنائنا، وكيف يمكن أن نواجه التحديات ونحسن أحوال الناس، وقد قال الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}، فالشورى قيمة عظيمة في بناء المجتمعات، والحوار الجاد باب من أبواب الإصلاح، حين نستمع إلى بعضنا بإنصاف، أقولها : بإنصاف، ونتبادل الأفكار، ونطرح الحلول، ونعترف بما يحتاج إلى مراجعة، ومن حق المواطن أن يسأل وينتقد ويطالب بحياة أفضل، كما أنّ من واجب المسؤول أن يستمع ويعمل ويتابع النتائج، لكن المهم ألا تتحول خلافاتنا إلى خصومات تستنزف طاقتنا، وألا ننشغل بتفسير النوايا والحسابات السياسية عن القضايا التي تمسّ حياةَ الناس، فليس المطلوب أن نعتبر انعقاد المنتدى نهاية للمشكلات، وإنما أن يكون فرصة لطرح الأفكار الجادة ومناقشة الأولويات والخروج بما يمكن تنفيذه على أرض الواقع، ثمّ متابعة ما تحقق ومحاسبة المقصر، وهذه هي قيمة الحوار الذي نحتاج إليه، حوارٌ لا يقوم على المجاملة ولا على التشكيك المسبق، وإنما على الرغبة الصادقة في أن تكون مصر أفضل، وأن يجد المواطن أثرًا حقيقيًّا لكل جهد يُبذل من أجل وطنه.
وثَمَّة أمر لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا، وهو أن إدارة دولة بحجم مصر مسؤولية ثقيلة، وأنّ سيادة الرئيس الذي يتولى قيادة البلاد يحمل همًّا وطنيًّا كبيرًا، في ظل ما تواجهه الدولة من تحديات ومسؤوليات داخلية وخارجية، ومن الإنصاف أن ندرك حجم هذه المسؤولية، وأن نقف بجانب القيادة الوطنية ومؤسسات الدولة، وندعمها في أداء واجبها، ونكون عونًا لها على النجاح، فالوطن لا يُبنى بجهد الرئيس وحده، ولا تستطيع مؤسسة واحدة أن تحمل كل الأعباء، وإنما يحتاج الأمر إلى تكاتف الجميع، كلٌّ من موقعه، فالموظف الذي يتقن عمله يشارك في الإصلاح، والمعلم الذي يؤدي رسالته بإخلاص يبني أجيالًا، والطبيب الذي يحترم أمانته يخفف آلام الناس، والمسؤول الذي يحسن اتخاذ القرار يحفظ مصالح المواطنين، وصاحب الرأي الذي يقدم حلًّا بدلًا من الاكتفاء بالشكوى يضيف شيئًا نافعًا إلى بلده، حتى المواطن البسيط الذي يحافظ على الممتلكات العامة، ويؤدي واجبه، ويساعد من حوله، هو شريك في بناء الوطن، ومن هنا فإنَّ مساندة السيد الرئيس ومؤسسات الدولة ليست مجرد كلمات تُقال، وإنما عمل وإخلاص وحرص على المصلحة العامة، وهذا لا يعني أن نغضَّ الطَّرْفَ عن الأخطاء أو نتوقف عن المطالبة بالإصلاح، بل يعني أن نجمع بين الدعم والمراجعة، وبين الحفاظ على استقرار الوطن والسعي إلى تحسين الأداء، وأن ندرك أن الوقوف بجانب البلد في أوقات التحديات واجب وطني، وأن النقد الذي يقصد الإصلاح يختلف عن الخصومة التي لا تريد أن ترى في المشهد إلا ما يؤكد موقفها، فمصر تحتاج إلى من يعمل من أجلها، ومن يخلص في خدمتها، ومن يحرص على تماسك مؤسساتها، لا إلى مزيد من الانقسام والمعارك التي لا تنتهي.
ولذلك أتمنى أن نخرج من هذا المنتدى بمعنى بسيط وواضح، وهو أن يبدأ كل واحد منا بنفسه، وأن يسأل ماذا يستطيع أن يقدم لمصرنا الحبيبة، بدلًا من أن يظل منشغلًا بما يفعله الآخرون، وأن تكون نيتنا في العمل والإتقان والمشاركة الصادقة أننا نعاون مصر، ونخفف الأعباء عن مؤسساتها، ونساند قيادتها في تحمل مسؤولية الوطن، فليس مطلوبًا منا أن نتفق في كل شيء، وإنما المطلوب أن نتفق على أن مصر تستحق منا أن نعمل من أجلها، وأن نختلف بأدب ومسؤولية، وأن ننتقد بصدق، وأن ندعم كل جهد جاد يحقق مصلحة الناس، وألا نجعل مواقع التواصل ساحة للخصام الدائم، بينما نستطيع أن نجعلها مساحة لتبادل الأفكار ونشر الأمل والكلمة الطيبة، ولو أن كل واحد منا أصلح ما يستطيع إصلاحه، وأتقن ما بين يديه من عمل، وأحسن إلى من حوله، لكان ذلك عونًا حقيقيًّا للبلد ولمن يتحملون مسؤولية إدارتها، ولعلنا حين نخفف من الخصومة ونزيد من العمل، نجد أن الابتسامة تصبح أقرب إلى وجوهنا، وأن الأمل يصبح أقرب إلى بيوتنا، بدلًا من أن نقضي أيامنا في جدال لا ينتهي.
وفي النهاية: مصر بيتنا جميعًا، ولا يليق بنا أن نترك حمله على أكتاف غيرنا ثم نكتفي بانتقادهم، بل علينا أن نشارك في حمايته وبنائه، وأن نقف صفًّا واحدًا حين يتعلق الأمر بمصلحة الوطن وأمنه واستقراره، وأن نطلب الإصلاح وندعم العمل ونحفظ للوطن حقه علينا.
اللهم احفظ مصر وأهلها، وأدم عليها نعمة الأمن والاستقرار، واحفظ جيشها ومؤسساتها، ووفّق قيادتها إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وأعن كل مخلص على أداء واجبه، واجعلنا جميعًا عونًا على الخير والبناء والإصلاح، ولا تجعل اختلافنا سببًا في فرقتنا، ولا انشغالنا بالخصومة صارفًا لنا عن واجبنا تجاه وطننا، و خفف عن مصر أعباءها، وافتح لها أبواب الخير والرزق والتقدم، وبارك في جهود أبنائها، واجمع قلوبهم على ما ينفعهم، واجعل مستقبلها أفضل من حاضرها، واحفظها من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعلنا ممن يعملون لرفعتها بصدق وإخلاص، ويصونون وحدتها، ويحرصون على أمنها واستقرارها، إنك ولي ذلك والقادر عليه.


التعليقات