في أكتوبر عام 2002، افتُتحت مكتبة الإسكندرية الجديدة ، في خطوة استهدفت إحياء ذكرى واحدة من أشهر المكتبات في التاريخ القديم، واستعادة دور المدينة بوصفها مركزًا للعلم والثقافة وتبادل المعرفة. وجاء المشروع امتدادًا لفكرة طُرحت في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، بدعوة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» للمساهمة في إحياء المكتبة التاريخية.
وعقب طرح الفكرة، أُنشئت الهيئة العامة لمكتبة الإسكندرية، وأُطلقت مسابقة دولية لتصميم المبنى الجديد، فازت بها شركة «سنوهتا» النرويجية المتخصصة في التصميم المعماري، التي قدمت تصورًا لمبنى يجمع بين الطابع المعماري المميز والوظيفة الثقافية الحديثة.
تصميم معماري يستلهم التاريخ
أُقيمت المكتبة الجديدة بالقرب من الموقع الذي ارتبط بالمكتبة القديمة، وجاء تصميمها في صورة مبنى دائري مائل، يضم مستويات تحت الأرض وطوابق علوية، إلى جانب قبة سماوية ومتحف علمي.
وشكّلت قاعات القراءة المفتوحة إحدى أبرز سمات المبنى، إذ صُممت لتوفير مساحات واسعة للقراءة والبحث، موزعة على مستويات وشرفات متعددة، مع وضع الكتب في أماكن تتيح سهولة الوصول إليها. كما استغرق تنفيذ المشروع سنوات، بدأت خلالها الأبحاث الأثرية عام 1992، ثم انطلقت أعمال التشييد في منتصف التسعينيات، قبل افتتاح المكتبة رسميًا عام 2002.
ولم يكن الهدف من المشروع إعادة بناء مكتبة تاريخية فحسب، بل تأسيس مؤسسة ثقافية حديثة تستلهم روح المكتبة القديمة، وتواكب التحولات التي شهدها العالم في مجالات البحث العلمي وتكنولوجيا المعلومات وإتاحة المعرفة.
نافذة مصر على العالم
رفعت مكتبة الإسكندرية منذ تأسيسها شعارًا يقوم على أن تكون «نافذة العالم على مصر، ونافذة مصر على العالم»، إلى جانب العمل بوصفها مؤسسة رائدة في العصر الرقمي، ومركزًا للتعلم والتسامح ونشر قيم الحوار والتفاهم بين الشعوب والثقافات.
وانعكست هذه الرؤية على طبيعة أنشطتها، التي لم تقتصر على جمع الكتب وإتاحتها للقراء، بل امتدت إلى دعم البحث العلمي، وتطوير المصادر الإلكترونية، وبناء شراكات مع المكتبات والمؤسسات الثقافية الدولية، بما يسمح بتوسيع نطاق الوصول إلى المعرفة.
كما تبنت المكتبة استراتيجية تقوم على التكامل بين وحداتها وأنشطتها المختلفة، بحيث تدعم البرامج البحثية والثقافية والتكنولوجية بعضها بعضًا، وتخدم أهداف المؤسسة في نشر المعرفة وتعزيز التواصل بين الثقافات.
التحول الرقمي وإتاحة المعرفة
مثّل التحول الرقمي أحد المحاور الرئيسية في عمل مكتبة الإسكندرية، التي سعت إلى توظيف التكنولوجيا في حفظ مصادر المعرفة وإتاحتها عبر الإنترنت، بما يتيح للباحثين والقراء الوصول إلى الكتب والمواد الثقافية من خارج حدود المكان.
وشملت جهودها تطوير مصادر إلكترونية تضم دوريات وكتبًا رقمية، إلى جانب الاهتمام بالوسائط المتعددة الموجهة للأطفال والشباب، وتوسيع نطاق التعاون مع المؤسسات الثقافية والمكتبات الكبرى حول العالم.
ومن بين المشروعات التي ارتبطت بهذه الرؤية، مشروع المكتبة الرقمية العالمية، الذي شاركت فيه المكتبة بالتعاون مع مكتبة الكونجرس الأمريكية ومؤسسات دولية أخرى. واستهدف المشروع رقمنة مواد ثقافية نادرة وفريدة، تشمل المخطوطات والخرائط والكتب النادرة والتسجيلات الصوتية والصور والأفلام والرسومات، وإتاحتها مجانًا عبر الإنترنت.
وسعى المشروع إلى تعزيز التفاهم بين الثقافات، ودعم البحث العلمي، وتوسيع مشاركة المؤسسات الثقافية في الدول النامية في عمليات الرقمنة، بما يضمن تمثيلًا أوسع لتراث الشعوب ومصادرها المعرفية.
مشروع المليون كتاب
ضمن جهودها لتوسيع إتاحة المعرفة، شاركت مكتبة الإسكندرية في مشروع «المليون كتاب»، بالتعاون مع شركاء من الصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية، بهدف رقمنة مليون كتاب بحثي وإتاحتها عبر شبكة الإنترنت.
وتضمنت الخطة رقمنة عشرات الآلاف من الكتب باللغة العربية، وإنشاء قواعد بيانات تتضمن معلومات تفصيلية عن المواد التي جرى تحويلها إلى نسخ رقمية. واستهدف المشروع، على المدى الطويل، توسيع نطاق إتاحة الإنتاج الفكري الإنساني أمام ملايين المستخدمين، وتسهيل الوصول إلى مصادر المعرفة من خلال الوسائل الرقمية.
وفي سياق متصل، أطلقت المكتبة بالتعاون مع مؤسسة «بوابة التنمية» في واشنطن النسخة العربية من بوابة التنمية في مارس 2007، وهي منصة إلكترونية تهتم بقضايا التنمية الشاملة والمستدامة، وتوفر مواد معرفية وأدوات تساعد على تبادل الخبرات ودعم بناء القدرات المحلية.
مجمع ثقافي يتجاوز الكتب
تجاوزت مكتبة الإسكندرية الجديدة مفهوم المكتبة التقليدية، لتقدم نفسها باعتبارها مجمعًا ثقافيًا ومعرفيًا يجمع بين القراءة والبحث العلمي والتكنولوجيا والأنشطة الثقافية. وقد ارتبطت رسالتها بمحاولة استعادة روح الانفتاح والحوار التي ميّزت المكتبة القديمة، مع توظيف أدوات العصر الحديث في حفظ المعرفة وتداولها.


التعليقات