عندما كان مرشحا رئاسيا فى مايو 2014 دشن الرئيس عبدالفتاح السيسى مصطلح «مسافة السكة»، ردا على سؤال يتعلق بموقف مصر وجيشها فى حال تعرض أمن الأشقاء فى دول الخليج والدول العربية لخطر أو تهديد مباشر؛ قرر خليط من الحاقدين والكارهين وأهل الشر النيل من هذا التصريح، وحاولوا الربط بينه وبين حوادث صغيرة تقع فى أى بلد شقيق، ويطرحون الأسئلة الفاسدة من عينة أين «مسافة السكة»؛ دون إدراك حقيقى أن كل المسافات لا تقاس بالكيلومترات، وإنما بعض المسافات تختصرها المواقف، وتختزلها لحظة صدق، وتطويها كلمة تخرج من قلب يعرف قيمة الأخوة ووزن التاريخ.
وعندما جاءت اللحظة الحقيقية، وتعرض المملكة العربية السعودية لمخاطر تهدد أمنها واستقرارها، فإن المسافة بينها وبين مصر لم تعد رقما على خريطة، بل صارت امتحانا لمعنى العروبة، ومقياسا لصلابة العلاقات التى لم تصنعها المصالح العابرة وحدها، وإنما صاغتها سنوات من التاريخ والمصير المشترك. هنا تكتسب عبارة مسافة السكة معناها الأعمق، لا باعتبارها شعارا عاطفيا، بل بوصفها رسالة سياسية واستراتيجية مفادها أن أمن السعودية ليس شأنا بعيدا عن القاهرة، وأن استقرار بلد الحرمين ليس تفصيلا يمكن أن تتجاوزه مصر.
فأمس الأول، الأحد، أعلن مجلس الدفاع الوطنى عقب اجتماعه، الاستعداد لتقديم كل أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة دفاعا عن أمنها، بالتوازى مع العمل على احتواء التصعيد والوصول إلى حلول سياسية تحفظ استقرار المنطقة. لم يكن ذلك موقفا معزولا عن سياق الأحداث، فقد سبقته إدانات مصرية للاعتداءات التى استهدفت الأراضى السعودية ومطاراتها، وتحذيرات من أن المساس بأمن المملكة يهدد استقرار الإقليم برمته؛ فالأخطار الكبرى لا تأتى دائما فى صورة غزو مباشر أو مواجهة معلنة، بل قد تتشكل من سلسلة ضغوط متزامنة، واستنزاف متدرج، واستهداف للبنية الحيوية، ومحاولات لفرض خيارات صعبة على الدولة المستهدفة.
وانطلاقا من هذا المفهوم، يمكن استيعاب خطورة ما تواجهه المملكة العربية السعودية، الشقيقة، وأن هناك مخططات سرية شاملة لخلق بيئة من الضغط، وأن استمرارها قد يفتح الباب أمام استنزاف طويل، ويعطل مسارات التنمية، ويزرع القلق فى الأسواق، ويختبر قدرة المؤسسات على حماية المجتمع والاقتصاد. وهنا تحديدا تكتسب المساندة المصرية أهميتها؛ فعندما تدرك الأطراف التى تراقب المشهد أن المملكة ليست معزولة، وأن أمنها يرتبط بحسابات دولة عربية مركزية بحجم مصر، تصبح كلفة المغامرة أكبر، وتضيق مساحة الرهان على انفراد السعودية بمواجهة التهديدات؛ وأن الموقف المصرى يضيف إلى معادلة الردع عنصرا سياسيا واستراتيجيا مهما، ويبعث برسالة مفادها أن الاعتداء على السعودية لا ينبغى أن يتحول إلى وسيلة ابتزاز للمنطقة أو إعادة تشكيل توازناتها بالقوة.
والبحر الأحمر، وتحديدا باب المندب، ليسا بعيدين عن هذه المعادلة، فهما لا يعدان مجرد ممرين على خريطة الملاحة، وإنما شريانان يرتبط بهما أمن التجارة والطاقة واتصال الأسواق العالمية، وأى اضطراب معقد وطويل الأمد فيهما لا يتوقف أثره عند دولة واحدة، بل يمتد إلى تكاليف النقل والتأمين، وإلى اقتصادات تعتمد على انتظام حركة السفن، وإلى مصالح مصر والسعودية وسائر دول المنطقة؛ ومن ثم فإن استهداف أمن المملكة أو تهديد خطوط الملاحة ليس حادثا محليا محدود الأثر، بل عامل ضغط يمس شبكة واسعة من المصالح العربية والدولية.
ومن يقرأ الجغرافيا بعيدا عن الانفعال يدرك أن مصر والسعودية تقفان أمام حقيقة مشتركة؛ القاهرة تمتلك موقعا استراتيجيا عند ملتقى طرق بحرية وتجارية بالغة الأهمية، وقدرات عسكرية كبيرة، والرياض تمثل ثقلا سياسيا واقتصاديا ودينيا لا يمكن تجاهله فى العالمين العربى والإسلامى؛ وإضعاف أى من الدولتين ينعكس على قدرة المنطقة على حماية مصالحها.
من هنا عبّر مصطلح «مسافة السكة» بالدليل العملى عن قيم تختصر معنى أن يجد الشقيق شقيقه عند الشدة، ومصر حين تؤكد وقوفها إلى جانب السعودية، لا تدافع عن بلد شقيق فحسب، بل تدافع أيضا عن مبدأ لا يستقيم أمن المنطقة من دونه، وهو أن سيادة الدول العربية ليست ساحة مباحة للابتزاز، وأن استقرارها لا يجوز أن يصبح رهينة لمغامرات الميليشيات والجماعات المسلحة أو صراعات النفوذ.
«مسافة السكة» ليست وعدا عابرا، بل عنوان لعلاقة تعرف طريقها فى أوقات الشدة، ومصر تدرك عن يقين أن حماية بلد الحرمين واجب سياسى وأخلاقى واستراتيجى، وأن أمن الرياض والقاهرة ليسا جزيرتين منفصلتين فى بحر مضطرب؛ قد تتغير خرائط الصراع وتتبدل أدواته، لكن حقيقة واحدة ستظل حاضرة، وهى أن المنطقة التى تريد النجاة من الفوضى تحتاج إلى دول قوية، وشعوب واعية، وتحالفات لا تقوم على الضجيج، بل على الثقة والعمل والمسؤولية. مسافة السكة، وعد عن حق، وموقف، ورسالة عميقة الأثر مفادها: كل من يراهن على العزلة لا بد أن يعى أن ما بين القاهرة والرياض جسورا من التاريخ والمصلحة والوفاء يصعب أن تهدمها عاصفة عابرة.


التعليقات