متطلبات الإصلاح التنموي ودوائر الأمن القومي الإقليمي في رسائل الرئيس السيسي

أ.د/ مها عبد القادر
أ.د/ مها عبد القادر

تبرهن السنن الحاكمة لحركة المجتمعات البشرية على أن الأزمات الاقتصادية والمالية، مهما اشتدت وطأتها أو تعاقبت موجاتها، تظل قابلة للتجاوز والمعالجة التدريجية المرحلية متى بقي الكيان الوطني محفوظًا ومصونًا في بنيانه السيادي وأمنه الداخلي، في حين يتعذر تعويض الأوطان أو استعادة عافيتها حال سقوطها في دوامة الفوضى العارمة والاضطرابات الهدامة التي تعصف بمقدرات الشعوب وتبدد مكتسباتها، ومن ثم يستغرق التعامل المنهجي مع التحديات الكبرى والمتراكمة في مسيرة الأمم ما يصل إلى عشر سنوات متواصلة من البذل والتخطيط، ما يتطلب ثباتًا في السياسات العامة المرسومة واستقرارًا في الخطط الإنمائية المتخذة؛ لأن التذبذب في القرارات المصيرية أو الانقطاع عن استكمال البرامج الإصلاحية يهدر الموارد المتاحة ويحرم البلاد من جني ثمار التحول المأمول نحو التقدم والرخاء والازدهار الاقتصادي الذي تتطلع إليه الأجيال الحاضرة واللاحقة بشغف وأمل.

ويستلزم البناء المؤسسي السليم لمنظومة الحكم الرشيد تشخيص أوجه القصور ومواطن العوار الإداري بشفافية كاملة ومصارحة موضوعية ترفض المداراة أو التجميل؛ فالإقرار الصادق بحقيقة المشكلات المزمنة يمهد الطريق نحو التعافي الهيكلي المنشود، المقترن بالعمل الجاد على معالجة حالة الترهل الوظيفي والتعقيد الإجرائي التي أصابت أجهزة الدولة ومرافقها الخدمية منذ عام ١٩٦٧، وما خلفته عقود التراكم البيروقراطي من تراجع ملحوظ في معدلات الإنجاز وضعف في استجابة المؤسسات لاحتياجات المواطنين المتزايدة، ولذلك اتجهت الإرادة الرئاسية نحو تحديث آليات الإدارة الحكومية ورقمنة معاملاتها وتطوير بيئة الأداء التنظيمي، سعيًا إلى تجاوز رواسب الماضي الثقيلة وإرساء نمط تشغيلي عصري يتسم بالمرونة والانضباط والقدرة الفعلية على مواكبة متطلبات النهضة العمرانية والصناعية المتسارعة، وبما يضع قطاعات الخدمة المدنية في مسارها الصحيح لخدمة الجمهور وتلبية تطلعاته المشروعة بيسر وانتظام وجودة رفيعة.

ويرتبط نهوض الجهاز الإداري وارتقاء مخرجاته ارتباطًا وثيقًا بتطوير جودة التعليم بمختلف مراحله الدراسية، وتحديث المناهج المعرفية والتطبيقية لتكوين عقول مستنيرة ناقدة تواكب متغيرات العصر الحديث، بجانب إعداد كوادر فنية وإدارية مؤهلة تأهيلًا عاليًا وقادرة على قيادة قاطرة التحديث داخل الوزارات والهيئات التنفيذية؛ غير أن نجاح هذه المنظومة البشرية يظل مرهونًا بأن تُختار تلك العناصر الشابة وفق معايير الجدارة والاستحقاق الموضوعي وحدها دون مجاملة اجتماعية أو محاباة شخصية تخل بمبدأ تكافؤ الفرص وتضعف الثقة العامة، فاعتماد الاختبارات الدقيقة والتدريب التخصصي المتقدم في انتقاء العاملين والقيادات يضمن ضخ دماء جديدة تتمتع بالنزاهة والمهارة المهنية، ويكفل تحويل المخططات الطموحة إلى واقع ملموس يشعر الإنسان المصري بأثره الإيجابي في تفاصيل حياته اليومية ومستوى المرافق الأساسية المقدمة إليه في كافة المحافظات والمدن والقرى على امتداد الرقعة الجغرافية المعمورة.

ويفرض اتساع حجم العمل الحكومي وتشعب ملفاته الخدمية والإنتاجية في شتى أرجاء البلاد على من يتولى مسؤولية حكم مصر، وكذلك على كبار المسؤولين في مواقع القرار التنفيذي، الإحاطة الدقيقة والشاملة بتفاصيل شؤون الدولة ومشكلاتها الميدانية على أرض الواقع؛ فقيادة وطن بحجم الجمهورية وتعدادها السكاني المتنامي لا تحتمل الاكتفاء بالتقارير المكتبية المجردة أو النظرة الجزئية القاصرة، وإنما تقتضي متابعة يومية حثيثة لمعدلات التنفيذ ومستويات الأداء في كل مشروع ومرفق، مع الوقوف المباشر على المعوقات التمويلية والهندسية لتذليلها في مهدها قبل تفاقمها، فضلًا عن ترسيخ ثقافة المحاسبة والمسؤولية التضامنية بين سائر القطاعات الوزارية؛ لضمان توظيف كل قرش من المال العام في موضعه الصحيح وتحقيق أقصى عائد اقتصادي واجتماعي يصون كرامة الأسر المصرية ويعزز جودة معيشتها في الحاضر والغد دون إبطاء أو تقصير أو تهاون.

اختصرت المشروعات القومية العملاقة والمنجزات العمرانية والزراعية والصناعية المنفذة منذ عام ٢٠١٤ زمنًا تنمويًّا طويلًا يقدر بنحو ثلاثين عامًا من السعي المعتاد، وجاءت هذه الطفرة الإنشائية الواسعة بفضل تضافر قيمة العمل الدؤوب المتواصل مع الصبر الشعبي الأصيل والتماسك المؤسسي في مواجهة التبعات المالية المترتبة على برامج التطوير الشامل، واستنادًا إلى ذلك الرصيد الكبير من المكتسبات الممتدة في البنية التحتية وشبكات الطرق والموانئ والمدن الذكية، يمضي العهد الرئاسي بعزيمة راسخة في مواصلة الجهد التنموي والعطاء الوطني المخلص حتى اليوم الأخير من المدة الدستورية المقررة بحلول سنة ٢٠٣٠؛ التزامًا بالوعد المقطوع لدى جماهير الشعب لاستكمال تشييد صروح الجمهورية الجديدة وتأمين مقومات العيش الكريم للأجيال المتعاقبة في بيئة آمنة يسودها الأمل والإنتاج والاعتماد على الذات في شتى الميادين الحيوية والقطاعات الإنتاجية الواعدة بالخير والنماء والرفعة.

وتفرز التحولات الجيوسياسية العميقة والمتلاحقة في الشرق الأوسط تداعيات واسعة ومركبة على دول المنطقة قاطبة، ما يفرض مقاربة يقظة ورؤية استراتيجية متوازنة لحماية المصالح العليا للوطن وصون الاستقرار الإقليمي من مخاطر الانزلاق نحو الصراعات المفتوحة، وفي صدارة هذه الدوائر الحيوية يتلاحم الأمن القومي المصري تلاحمًا عضويًّا وثيقًا مع أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج الشقيقة باعتبارهما قلب الأمتين الإسلامية والعروبية وعمقهما الحضاري والاقتصادي؛ فأي مساس بالمملكة أو اقتراب عدائي من حدودها وسيادتها يضر بمصر مباشرة ويهدد سلامتها الكلية، ولذلك تتمسك القاهرة بموقفها الثابت في مساندة أشقائها الخليجيين والتصدي المتكاتف لكافة المخططات الرامية إلى زعزعة طمأنينتهم أو النيل من ثرواتهم ومقدراتهم السيادية، إيمانًا بوحدة المصير الواحد وترابط المسارات الدفاعية بين جناحي الإقليم في وجه الأزمات الطارئة والتهديدات المتصاعدة التي تستهدف أمنهم الجماعي ومستقبل شعوبهم.

وترفض السياسة المصرية رفضًا قاطعًا أي تهديد عسكري أو أمني يطال أمن البحر الأحمر والممرات الملاحية الدولية الهامة لحركة التجارة العالمية، مع الاستعداد التام لبذل كل ما يلزم من تحركات دبلوماسية وترتيبات دفاعية لخفض التصعيد وتأمين انتظام حركة الملاحة عبر باب المندب وقناة السويس، وبالتوازي مع ذلك تتطلب المخاطر المتنامية المحيطة بالحدود الجنوبية والغربية يقظة متواصلة وجاهزية قتالية عالية لحراسة السيادة الترابية، بالتزامن مع المساعي الحثيثة والاتصالات المكثفة لتجنب احتدام النزاع في السودان الشقيق والحفاظ على وحدته ومؤسساته، إلى جانب دعم استقرار ليبيا وتوحيد سلطاتها التنفيذية، ومواصلة التحرك الفاعل لتثبيت التهدئة وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية والإغاثية العاجلة إلى أهالي قطاع غزة، صونًا للسلم الإقليمي ومنعًا لاتساع بؤر التوتر المسلح في دول الجوار الجغرافي المباشر على كافة الاتجاهات الحدودية المتاخمة برًّا وبحرًا.

وتنطلق العقيدة الوطنية المصرية الخالصة، بعد استعادة كامل أراضي سيناء الغالية بتضحيات الشهداء وبطولات القوات المسلحة، من مبدأ ثابت قوامه الحفاظ الأمين على الحدود التاريخية وصون مقدرات الشعب وموارده دون أي مطامع خارجية في ثروات الغير أو أجندات خفية تضمر السوء تجاه أي طرف إقليمي أو عالمي؛ فالقوة الدفاعية للبلاد رشيدة تحمي السيادة ولا تبغي العدوان، وترعى السلم ولا تفتعل التوترات، وفي هذا الإطار القانوني الواضح تحكم معاهدة السلام الموقعة مع الجانب الإسرائيلي مسار العلاقات الثنائية والترتيبات الأمنية المتفق عليها بين الجانبين، ما ينفي تمامًا مبررات الهواجس والظنون المثارة في بعض الأوساط السياسية والإعلامية حول التوجهات التنموية في أرض الفيروز ومشروعات تعميرها وتوطين النهضة الشاملة في ربوعها، تأكيدًا لاحترام الكنانة الصارم لعهودها الموثقة ومواثيقها القانونية لدى الأسرة الدولية قاطبة بلا تردد أو مواربة.

ويبقى حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة متصلة إلى جوار نظيرتها الإسرائيلية، وفق الرؤية المصرية العادلة المطروحة منذ سنة ٢٠١٤، السبيل الواقعي والأوحد لإنهاء الصراع الممتد وإحلال السلام الشامل والاستقرار المنشود للأجيال المقبلة في سائر أنحاء الإقليم؛ فلا أمان ولا ازدهار في المنطقة مع استمرار إهدار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أو محاولات تصفية قضيته وتهجيره من أرضه، وهكذا تتكامل في رسائل الرئيس السيسي متطلبات الإصلاح التنموي والمؤسسي في الداخل مع دوائر صون الأمن القومي في الخارج، لترسم ملامح جمهورية قوية ببنيانها واقتصادها، وفية بالتزاماتها ومعاهداتها، وساعية بإخلاص نحو ترسيخ دعائم التعايش السلمي والتعاون البناء بين مختلف الأمم، بما يصنع مستقبلًا آمنًا ومزدهرًا لأبناء الوادي وسائر شعوب الجوار العربي والإقليمي على حد سواء في كنف العدالة والاحترام المتبادل والوئام المشترك.

ـــــ

* أستاذ أصول التربية - كلية التربية للبنات بالقاهرة – جامعة الأزهر

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.