شهد قطاع السياحة والآثار بمحافظة الإسكندرية مرحلة جديدة من التطوير، بعدما وضعت الدولة المصرية عروس البحر المتوسط ضمن أولويات خطط التنمية ، في خطوة تستهدف استعادة المكانة التاريخية والسياحية للمدينة وتعظيم الاستفادة من مقوماتها الفريدة، التي تجمع بين عبق الحضارات القديمة وسحر البحر المتوسط، لتظل الإسكندرية واحدة من أهم المدن السياحية والثقافية في مصر والمنطقة.
تطوير يعيد عروس البحر إلى خريطة السياحة العالمية
الإسكندرية ، العاصمة الثانية لمصر والعاصمة القديمة للبلاد، ليست مجرد مدينة ساحلية يقصدها المصيفون، وإنما متحف مفتوح تتعانق بين جنباته آثار الحضارات المصرية واليونانية والرومانية والإسلامية، إلى جانب المتاحف والمواقع الأثرية والواجهات البحرية، في مزيج نادر جعلها مقصدًا للسائحين والزائرين من مصر ومختلف دول العالم.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت المحافظة تنفيذ مجموعة من المشروعات القومية الكبرى في قطاعي السياحة والآثار، استهدفت الحفاظ على التراث التاريخي، ورفع كفاءة المواقع الأثرية، وتطوير المناطق المحيطة بها، وتحويلها إلى مقاصد سياحية متكاملة، وفي مقدمتها مشروع تطوير وترميم المتحف اليوناني الروماني، أحد أهم وأكبر المتاحف المتخصصة في الآثار اليونانية والرومانية بمنطقة البحر المتوسط.
رحلة استعادة هوية الإسكندرية بين الآثار والمنتزه والنبي دانيال
وعاد المتحف اليوناني الروماني في ثوب جديد، بعد أعمال التطوير التي شملت المبنى وسيناريو العرض المتحفي، ليضم نحو 6 آلاف قطعة أثرية، بينها قطع نادرة تعرض أمام الزائرين لأول مرة، بما أعاد للمتحف دوره كأحد أهم الصروح الأثرية والثقافية التي توثق جانبًا مهمًا من تاريخ الإسكندرية وحضاراتها المتعاقبة.
وامتدت ملحمة التطوير إلى قلعة قايتباي ، أحد أشهر رموز الإسكندرية التاريخية، حيث شهدت تنفيذ مشروع متكامل للحماية البحرية، استهدف حماية الصخرة الأم والقلعة من تأثير الأمواج والنوات الشتوية، ومنع تسرب مياه البحر إلى السراديب الداخلية، بما يحافظ على واحد من أهم الآثار الإسلامية الباقية على ساحل البحر المتوسط.
ولم يتوقف المشروع عند حدود حماية الأثر، بل تحولت المنطقة المحيطة بالقلعة إلى مساحة تجمع بين التاريخ والسياحة والترفيه، من خلال تطوير الساحة الخارجية وإنشاء ممشى سياحي ولسان بحري ومدرجات ومساحات تتيح للزائرين الاستمتاع بمشهد البحر وممارسة الأنشطة البحرية، لتصبح قلعة قايتباي ومنطقتها المحيطة مقصدًا سياحيًا متكاملًا يجمع بين عظمة التاريخ وجمال الطبيعة.
من ذاكرة الملوك إلى قبلة السياحة العالمية
تقف حدائق المنتزه وقصورها التاريخية شاهدة على أكثر من قرن من تاريخ مصر، محتفظة بين أشجارها وقصورها وطرقاتها بذكريات ملوك ورؤساء وشخصيات صنعت جانبًا من تاريخ البلاد، لتظل واحدة من أهم الكنوز التاريخية والسياحية التي تميز مدينة الإسكندرية.
وعلى مساحة تصل إلى 375 فدانًا، تدخل حدائق المنتزه اليوم مرحلة جديدة، من خلال واحدة من أكبر عمليات التطوير والتجميل التي شهدتها في تاريخها، تستهدف إعادة إحياء قيمتها التاريخية والسياحية ووضعها على خريطة المقاصد السياحية العالمية، مستفيدة من موقعها الاستثنائى المطل على البحر الأبيض المتوسط وما تمتلكه من قصور تاريخية وشواطئ وطبيعة ساحرة.
ولا يستهدف مشروع التطوير مجرد تجميل المكان، وإنما إعادة تقديم المنتزه بالصورة التي أنشئت عليها قبل أكثر من 130 عامًا، مع الحفاظ على طابعها التاريخي وإضافة عناصر عصرية تتناسب مع مكانتها السياحية، من بينها إنشاء مرسى لليخوت وكورنيش مفتوح، بما يعيد صياغة تجربة الزائر ويجمع بين عبق الماضي ومظاهر الحداثة.
التاريخ والطبيعة والبحر والسياحة
وهكذا تستعيد حدائق المنتزه مكانتها كواحدة من أبرز العلامات المميزة لعروس البحر المتوسط، في مشهد يجمع بين التاريخ والطبيعة والبحر والسياحة، لتتحول من مجرد حدائق وقصور تحمل ذكريات الماضي إلى مقصد سياحي متكامل يليق بتاريخ الإسكندرية ومكانتها على خريطة السياحة العالمية.
تطوير شارع النبي دانيال في الإسكندرية، ليكون شاهدًا على نشأة المدينة وتطورها عبر العصور، ويحتفظ بمكانته كأحد أقدم وأعرق شوارع عروس البحر المتوسط. واليوم، وبعد عقود من الزحام والمظاهر العشوائية، يعود الشارع من جديد إلى واجهة المشهد الحضاري والتراثي، في مشروع تطوير ضخم يعيد إليه رونقه ويكشف ما تخفيه تفاصيله من قيمة تاريخية وثقافية.
وتحول شارع النبي دانيال، الذي يمتد لنحو 750 مترًا أحد الشوارع التي عانت من التكدس والباعة الجائلين والمظاهر العشوائية، إلى مشروع حضاري يستهدف تحويله إلى أول ممشى تراثي بالإسكندرية، يجمع بين الحفاظ على الهوية التاريخية وتطوير البنية التحتية وتحسين الصورة البصرية للمكان.
سوق الكتب بمنطقة النبي دانيال
وشملت أعمال التطوير تبليط الممشى، ورفع كفاءة المرافق، وتطوير الأرصفة، وتوحيد واجهات المحال ولافتاتها، وترميم ودهان واجهات العقارات التراثية، إلى جانب تنفيذ منظومة إضاءة ديكورية للشارع والواجهات لإبراز الزخارف المعمارية، فضلًا عن تطوير سوق الكتب الذي ارتبط باسم النبي دانيال لسنوات طويلة.
ويحمل المشروع الحفاظ على التراث لا يعني تجميده، وإنما إعادة تقديمه بصورة تليق بقيمته؛ فالنبي دانيال لم يعد مجرد شارع قديم في قلب الإسكندرية، بل أصبح نموذجًا لكيفية استعادة الشوارع التاريخية لهويتها وتحويلها إلى مناطق جذب ثقافي وسياحي.
وهنا تتجسد بالفعل حكاية «كنا فين وبقينا فين».. شارع ارتبط بتاريخ الإسكندرية منذ تأسيسها عام 331 قبل الميلاد، يعود اليوم في ثوب حضاري جديد، محتفظًا بذاكرة المكان وملامح الماضي، وفي الوقت نفسه يستقبل المستقبل بممشى تراثي وإضاءة وواجهات وأسواق كتب، ليبقى النبي دانيال شاهدًا حيًا على تاريخ الإسكندرية.


التعليقات