لم تعد معركة جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج تدور حول امتلاك منبر إعلامي قادر على جذب المشاهدين، بقدر ما أصبحت معركة أكثر تعقيدًا تتعلق بإبقاء ماكينة الرسائل قائمة مهما تغيرت القنوات والوجوه والكيانات. فمع تضييق الخناق على الواجهات المعروفة، لم يعد الرهان على اسم واحد أو مؤسسة واحدة، وإنما على شبكة مرنة تستطيع نقل النشاط من مساحة إلى أخرى، وإعادة تقديم الخطاب ذاته عبر شركات ومنصات وحسابات وكيانات تبدو منفصلة في ظاهرها، لكنها قد تلتقي في الرسائل والتوقيتات والأولويات. وبهذا المعنى، فإن التحول الأهم ليس في شكل المنصة، وإنما في طريقة بناء التأثير؛ إذ أصبح إخفاء المصدر جزءًا من هندسة الرسالة نفسها.
الواجهة الجديدة لا تعني مشروعًا جديدًا
هذا النمط يفسر الاتجاه إلى تقليل الظهور التنظيمي المباشر، وإسناد أدوار إعلامية ورقمية إلى أسماء وكيانات أقل ارتباطًا في صورتها العلنية بالجماعة. فالمنصة تستطيع أن تقدم نفسها باعتبارها مشروعًا إعلاميًا مستقلًا، والشركة يمكن أن تتحرك تحت اسم تجاري لا يحمل دلالة سياسية، بينما يتولى أشخاص مختلفون إنتاج المحتوى وتوزيعه والترويج له. غير أن استقلال الواجهة لا يعني بالضرورة استقلال البيئة التي تتحرك داخلها.
وتظهر هنا أهمية قراءة المضمون بوصفه جزءًا من عملية التتبع؛ فحين تتكرر الزوايا ذاتها في تناول الأحداث، ويعاد تدوير الادعاءات نفسها، وتتزامن موجات النشر حول موضوعات بعينها، يصبح تعدد الأصوات أقل دلالة على التنوع وأكثر قابلية للقراءة باعتباره توزيعًا للرسالة على مساحات مختلفة. وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال الصحفي: «من يملك هذه المنصة؟» فقط، وإنما يصبح: «من يمدها بالموارد؟ ومن يحدد أولوياتها؟ وكيف تتقاطع رسائلها مع غيرها؟».
المال هو الحلقة التي تربط الأقنعة ببعضها
وراء كل منظومة إعلامية عابرة للحدود تكلفة مستمرة؛ إنتاج، واستوديوهات، ومعدات، ومحررون، ومذيعون، وإعلانات، وإدارة مواقع وحسابات، إلى جانب البنية التقنية التي تسمح بإعادة توزيع المحتوى. ولذلك فإن تتبع حركة الأموال والكيانات القانونية والإدارية يصبح أكثر أهمية من الاكتفاء بمراقبة الوجوه التي تظهر على الشاشات.
وفي هذا السياق، تكتسب الإجراءات التي اتخذتها السلطات الأمريكية خلال عام 2026 ضد كيانات وشخصيات مرتبطة بشبكات تمويل ودعم للتنظيمات المصنفة إرهابية أهمية في فهم طبيعة العمل العابر للحدود، خصوصًا ما يتعلق باستخدام شبكات وواجهات قانونية ومالية لتحريك الموارد. ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن كل شركة أو مؤسسة إعلامية يمكن نسبها تلقائيًا إلى جماعة الإخوان، لكن التجربة تكشف أن دراسة البنية المالية والقانونية للشبكات أكثر قدرة على تفسير استمرار النشاط من الاكتفاء بتتبع الأشخاص الذين يظهرون أمام الجمهور.
الشاشة لم تعد مركز الماكينة.. الخوارزمية أصبحت شريكًا في صناعة التأثير
التغير الأكبر جاء مع انتقال المعركة من نموذج القناة الفضائية إلى نموذج الشبكة الرقمية. فالرسالة التي كانت تحتاج في السابق إلى شاشة وبرنامج ومذيع أصبحت قابلة للتفكيك إلى عشرات المقاطع والمنشورات والتعليقات وإعادة النشر، ثم توزيعها على حسابات ومنصات متعددة. وهكذا لم يعد مطلوبًا أن تجتمع كل الرسائل في مكان واحد حتى تصنع تأثيرًا؛ يكفي أن تظهر في أماكن مختلفة خلال توقيت متقارب حتى يبدو التفاعل أوسع وأكثر تلقائية مما هو عليه في الواقع.
وهنا تتحول المنصة من مجرد ناقل للمحتوى إلى أداة لإعادة تشكيله. فالمقطع القصير قد يستهدف جمهورًا مختلفًا عن التقرير المطول، والمنشور قد يعيد صياغة الرسالة بلغة أكثر إثارة، بينما تتولى حسابات أخرى إعادة تدويرها حتى تدخل دائرة التفاعل. وفي المقابل، فإن هذا الانتشار يحمل أثرًا عكسيًا؛ فكلما تكررت الرسائل وتقاطعت المفردات والزوايا والتوقيتات، أصبح من الممكن دراسة الأنماط المشتركة التي تكشف الروابط بين الحسابات والمنصات حتى لو اختلفت أسماؤها.
التنظيم الشبكي يراهن على البقاء لا على الظهور
قوة هذا النموذج لا تكمن في أن جهة واحدة تستطيع السيطرة على كل شيء، وإنما في أن سقوط إحدى حلقاته لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار البقية. إغلاق منصة يفتح الباب أمام أخرى، واختفاء شخصية يسمح بظهور بديل، وتراجع كيان عن المشهد يمكن تعويضه بواجهة جديدة. وهنا يتحول تعدد الأدوات إلى آلية لامتصاص الضربات والحفاظ على استمرارية الرسالة.
وهذه الطبيعة الشبكية تجعل التعامل مع التنظيم الدولي للإخوان باعتباره غرفة عمليات واحدة تدير كل تفصيلة تصورًا مبسطًا للمشهد؛ فالشبكات العابرة للحدود يمكن أن تقوم على درجات متفاوتة من التنسيق والارتباط وتبادل الخبرات والموارد، بما يسمح بتوزيع الوظائف بدلًا من تجميعها في مؤسسة واحدة واضحة. لذلك تصبح الخريطة الحقيقية للمشهد موزعة بين المال والكيانات والأفراد والمنصات، وليس محصورة في اسم تنظيمي معلن.
المفارقة.. كلما زادت الأقنعة زادت آثارها
لكن الاستراتيجية التي تستهدف إخفاء المصدر تحمل تناقضًا جوهريًا؛ فزيادة عدد الواجهات لا تعني بالضرورة زيادة القدرة على الاختفاء، لأنها في الوقت نفسه تزيد عدد نقاط الاتصال التي يمكن تحليلها. وكل شركة تحتاج إلى موارد، وكل منصة تحتاج إلى إدارة، وكل شبكة حسابات تترك نمطًا من الحركة، وكل خطاب متكرر ينتج بصمة يمكن مقارنتها بغيره.
من هنا، فإن سقوط واجهة إعلامية أو اختفاء وجه معروف لا يمثل بالضرورة نهاية ماكينة التأثير، لكنه أيضًا لا يعني أن الشبكة غير قابلة للكشف. فالمعالجة الأكثر دقة تبدأ من جمع الخيوط التي تبدو منفصلة: حركة المال، وتغير الملكيات، وتوزيع الأدوار، وتزامن الرسائل، وتشابه المحتوى، وانتقال النشاط من منصة إلى أخرى.
وفي النهاية، تكشف تجربة الإخوان في الخارج أن المعركة لم تعد مع قناة أو حساب أو مذيع بعينه، وإنما مع نموذج كامل يقوم على إعادة تدوير الأدوات بدل الحفاظ على الأداة نفسها. ولذلك فإن تغيير الواجهات قد يؤخر انكشاف الشبكة، لكنه لا يمحو آثارها؛ بل إن كثرة الأقنعة قد تتحول مع الوقت إلى خريطة تكشف من أين تتحرك الموارد، وكيف تنتقل الرسالة، ومن يملك القدرة على إعادة تشغيل الماكينة كلما سقط أحد أجزائها.


التعليقات