كانت الساعة الواحدة وخمس دقائق ظهر 13 يوم، 13 أكتوبر، مثل هذا اليوم، 1973، حين استمع سكان القاهرة إلى فرقعة تبين بعدها أنها حدثت نتيجة اختراق اثنتان من طائرات الاستطلاع الأمريكية «س ر- 71» المجال الجوى المصرى، حسبما تذكر «الأهرام» فى الصفحة الأولى يوم 14 أكتوبر 1973، مؤكدة أن الطائرتين دخلتا على ارتفاع شاهق وصل إلى 25 كيلومترا، وبسرعة خاطفة وصلت إلى ثلاث مرات ونصف قياسا إلى سرعة الصوت، وذلك بعد أسبوع من اندلاع الحرب على الجبهتين المصرية والسورية ضد إسرائيل يوم 6 أكتوبر 1973.
تضيف «الأهرام» أن أجهزة الرادار المصرية استطاعت أن تلتقط الطائرتين عندما ظهرتا على بعد مائتى كيلومتر من أجواء بورسعيد، ودخلت بعد ذلك فى مسار من فوق بورسعيد إلى خط الجبهة إلى شاطئ البحر الأحمر، واستدارتا جنوب نجع حمادى، وعادتا بقوس يتجه إلى القاهرة ومنها إلى الأرض المحتلة ثم عبر لبنان وسوريا، حيث خرجت الطائرتان من البحر عائدتين إلى قاعدتيهما فى واحدة من بلدين، تركيا أو اليونان، وتؤكد الأهرام، أن أجهزة الرادار السورية تمكنت من كشف الطائرتين أيضا ومتابعتها عرض البحر إلى اتجاه النهاية فى العملية التى قامتا بها، وتذكر الأهرام: «من المؤكد أن المهمة التى قامت بها الطائرتان، استطلاع وتصوير».
كان المشير محمد عبدالغنى الجمسى رئيسا لهيئة العمليات بالقوات المسلحة أثناء الحرب، وقبل أن يصبح رئيسا للأركان خلفا للفريق سعد الدين الشاذلى ثم وزيرا للدفاع، ويؤكد فى مذكراته «حرب أكتوبر 1973» أنه أثناء عملية الاختراق كان فى مركز عمليات القوات المسلحة يتابع أعمال القتال يوم 13 أكتوبر، واتصلوا من مركز العمليات بقيادة الدفاع الجوى للاستفسار عن سبب عدم اعتراض الطائرتين، فجاء الرد: «أنهما تطيران خارج مدى صواريخ الدفاع الجوى، كما أن مقاتلاتنا لا تتمكن من اللحاق بها».
ويسجل الجمسى شعورهم بعد هذه الإجابة، قائلا: «كظمنا غيظنا، والضيق يملأ نفوسنا، وعبر كل منا فى مركز العمليات عن هذا الغيظ والضيق بالكلمات التى يراها مناسبة، وكان معنى هذا الحدث أنه استطلاع جوى أمريكى لصالح إسرائيل، وأصبحت أوضاع وحجم قواتنا بالجبهة وفى عمق الدولة كتابا مفتوحا أمام إسرائيل»، ويؤكد الجمسى: «كان ذلك أول تدخل عسكرى أمريكى بطريقة مباشرة وعلنية يتم لصالح إسرائيل».
ويؤكد الفريق محمد على فهمى، قائد الدفاع الجوى أثناء حرب أكتوبر، ورئيس أركان القوات المسلحة فيما بعد، فى كتابة «القوة الرابعة - تاريخ الدفاع الجوى المصرى»، أن هذه العملية كانت «إعلانا بأن الولايات المتحدة الأمريكية ألقت بثقلها فى المعركة لإنقاذ إسرائيل من هزيمة محققة»، ويضيف فهمى: «لا شك أن هذه الطلعة وفرت للعدو معلومات كاملة عن التوزيع التعبوى للقوات والاحتياطات وكانت بمثابة النور الأخضر لإسرائيل لتنفيذ عملية الدفرسوار، وجاءت بعد ذلك الأحداث لتؤكد أن القوات المصرية أصبحت تواجه الولايات المتحدة الأمريكية وليس إسرائيل وحدها، فقد تلاحظ طفرة مفاجئة فى حجم وكثافة الهجمات الجوية المعادية، اعتبارا من 14 أكتوبر، كما رصد تغييرا فى الإعاقة الإلكترونية المضادة لمحطات الرادار، ومحطات توجيه الصواريخ اعتبارا من هذا اليوم». يؤكد الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل فى كتابه «أكتوبر 73 - السلاح والسياسة»، أن الصور التى التقطتها الطائرتان كانت أمام وزير الخارجية الأمريكية كيسنجر حين عاد إلى وزارة الخارجية، ليقضى ساعة بعد حفل عشاء أقيم فى البيت الأبيض، قدم فيه الرئيس نيكسون نائبه جيرالد فورد، ويقول هيكل نقلا عن مذكرات كيسنجر: «وصلته المعلومات عن الجبهة المصرية، بما فى ذلك الصور التى التقطتها طائرة الاستطلاع «س ر- 71»، كما أنه قرأ تحليلا لما تقول به الصور، وكان أهم ما فيه أن فرقتين مصريتين وهما الفرقة الرابعة المدرعة 21، والفرقة المدرعة الرابعة تتحركان إلى داخل سيناء، وكان «كيسنجر» يعرف أن هاتين الفرقتين تمثلان الاحتياطى الاستراتيجى المصرى».
يؤكد هيكل، أن كيسنجر أبدى دهشته مما تقول به الصور، وكانت دلالة هذه التحركات أن القيادة المصرية تعتزم تطوير الهجوم فعلا فى ظرف ساعات، وكانت دهشته «كيسنجر» أن القوات المصرية دفعت باحتياطيها الاستراتيجى إلى المعركة، ومعنى ذلك أن هذه القيادة استغنت عن هذا الاحتياطى الاستراتيجى فى وقت حرج من المعركة، ولعمل سوف يتم على الأرجح خارج نطاق حماية حائط الصواريخ المصرى، ويضيف هيكل: «كانت استنتاجات كيسنجر صحيحة، ودهشته مبررة».
يكشف «الجمسى» أنه فى اليوم التالى «14 أكتوبر»، وبعد أن بدأت قواتنا عملية تطوير الهجوم، وكانت تواجه مقاومة شديدة من العدو بشكل واضح، ذهب الرئيس السادات إلى مركز العمليات فى الصباح، ووجده الجمسى يقف بجواره ويبادره بالسؤال عن الموقف، ويؤكد الجمسى: «أذكر أننى قلت له أن نتيجة الاستطلاع الأمريكى الذى تم فى اليوم السابق «13 أكتوبر» يبدو أنها وصلت لإسرائيل فاستعدت لمواجهة قواتنا بعنف».


التعليقات