كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة "npj Heritage Science" عن كشف أثري مذهل يوثق تعاقب النشاط الفني والديني لآلاف السنين في شمال غرب الصين ، وتركزت الدراسة على استكشاف لوحات كهفية قديمة تقع في منطقة تانغباليتاسي بمنطقة شينجيانغ الويغورية ذاتية الحكم، وفقا لما نشره موقع heritagedaily.
واستعان الباحثون بأحدث تقنيات التصوير الطيفي الفائق إلى جانب المقارنات الأيقونية والسجلات التاريخية المتوفرة، مما أتاح لهم فحص الأصباغ المتداخلة وتحديد التسلسل الزمني لهذا الموقع الفريد الذي يتألف من كهفين طبيعيين متجاورين.
الأسرار والرموز الشامانية المكتشفة
نجح فريق البحث في توثيق تسعة عشر شكلاً بارزاً يمكن التعرف عليها بوضوح داخل الكهف الأول، حيث تنوعت المكتشفات بين الزخارف الهندسية المعقدة والأشكال الرمزية ذات الدلالات العميقة.
ويعد الوجه البشري الغامض ذو الثلاث عيون واللحية الكثيفة من أبرز المعالم المكتشفة في هذا الكهف، وتنبثق من رأسه خطوط شعاعية تتشابه بصورة ملحوظة مع تمثيلات فنية أخرى وثقها علماء الآثار في أنحاء آسيا الوسطى وجنوب سيبيريا، وهي رموز ارتبطت في العصور الغابرة بالتقاليد الشامانية الطقسية.
وأكد الباحثون أن المظهر المتآكل لهذه اللوحة بالتحديد يرجح انتمائها إلى حقبة تاريخية سحيقة القدم تسبق بكثير سائر الرموز الأخرى الموجودة في الموقع.
مسرح الطقوس الجماعية
أظهرت عمليات الفحص الطيفي الفائق أن الكهف الثاني يضم 51 رسماً قديماً تتنوع مواضيعها بين تصوير الحيوانات والشخصيات البشرية ذات القرون، بالإضافة إلى رموز متكررة مرسومة على شكل حرف إكس.
ويرى العلماء أن هذه المجموعات البشرية المرسومة وهي تحيط بالرموز الهندسية تعكس على الأرجح مشاهد لطقوس واحتفالات جماعية مقدسة كانت تقيمها تلك المجتمعات، وليست مجرد تجسيد اعتيادي ليوميات الحياة اليومية.
كما ساعدت التقنيات الضوئية المتقدمة في تحديد صبغات لزخارف إضافية كانت مخفية تماماً وغير مرئية للعين المجردة، مما أتاح فك التشابك بين الطبقات اللونية المختلفة المكونة للجداريات.
من العصر البرونزي إلى عهد الإمبراطورية المغولية
أثبتت التحليلات المقارنة مع الفنون الصخرية في منغوليا المجاورة ومنطقة ألتاي الأوسع أن أقدم الرسوم المكتشفة تعود إلى ثقافة شيمورتشيك التي ازدهرت خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد في العصر البرونزي، بينما تتشابه أشكال بشرية أخرى مع ملامح الفنون المنسوبة لثقافات كاراكول وأوكونيف وساموس.
وفي المقابل رصدت الدراسة مرحلة زمنية لاحقة ومغايرة تماماً ترتبط بالبوذية التبتية، وتتمثل في نقوش مكتوبة بالخط التبتي القديم مصحوبة برمز فاجرا المتقاطع، حيث يعود تاريخ هذه الإضافات الفنية إلى عهد أسرة يوان التي حكمت المنطقة في الفترة ما بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، عندما انتشرت البوذية التبتية في آسيا الداخلية تحت رعاية وتأثير الإمبراطورية المغولية.
الاستخدام الدينى والاحتفالى
تعززت فرضية الاستخدام الديني والاحتفالي للموقع بعد العثور على تل دفن حجري دائري ضخم يبلغ قطره حوالي عشرة أمتار، ويقع على مسافة مئة متر فقط من الكهوف الأثرية، ورغم أن الارتباط المباشر بين هذا المدفن والرسومات لم يحسم بشكل قاطع بعد، إلا أنه يعكس الأهمية الجنائزية للمنطقة.
وتخلص الدراسة إلى أن موقع تانغباليتاسي كان يمثل مركزاً روحياً وفنياً مشتركاً استخدمته مجتمعات وثقافات متباينة عبر العصور، حيث دأب كل جيل جديد على إضافة رموزه وتصوراته الخاصة جنباً إلى جنب مع اللوحات التي تركتها الأجيال السابقة، مما خلق مع مرور الوقت تراثاً فصيحاً يعكس التطور الفكري والديني للإنسانية في تلك البقعة النائية.



التعليقات