ما أجمل أن تعود بنا الذاكرة إلى زمنٍ كانت فيه السينما نافذةً للحلم، وكانت الشاشة الفضية مرآةً تعكس ملامح المجتمع المصري، وتحتضن حكايات الحب والوطن والإنسان! زمنٌ لم تكن فيه الصورة مجرد مشهد عابر، بل رسالةً تسكن الوجدان، وموسيقى تتسلل إلى الروح، وحوارًا تتوارثه الأجيال، وكأن الزمن توقف احترامًا لجمال الفن وأصالته.
ها هي القاهرة، مدينة الألف مئذنة وعاصمة الفن والثقافة، تستعد لأن ترتدي ثوبها السينمائي من جديد، وتفتح ذراعيها لضيوفها من مختلف أنحاء العالم، في الدورة السابعة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، التي تنطلق في الحادي عشر من نوفمبر وتستمر حتى العشرين منه، حاملةً بين أضوائها خمسين عامًا من الحكايات والذكريات والإنجازات.
نصف قرن مضى منذ انطلاق المهرجان عام 1976، لكنه لم يكن مجرد سنوات تتعاقب على صفحات التقويم، بل رحلة ثقافية امتدت من أحلام الرواد إلى طموحات الأجيال الجديدة، لتظل القاهرة ملتقى للحضارات، وموطنًا للفن الذي لا يعرف حدودًا جغرافية أو اختلافًا في اللغات.
ولعل أجمل ما في العودة إلى زمن الكلاسيكيات أننا لا نستدعي الماضي لنقيم فيه، بل نستحضره لنكتشف كيف استطاع الفن الحقيقي أن ينتصر على النسيان.
فمن ذا الذي يستطيع أن ينسى سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، أو حضور عمر الشريف العالمي، أو عبقرية يوسف شاهين، أو ملامح السينما التي جسدها عمالقة الفن المصري، حين كانت الأفلام تحمل بين مشاهدها تاريخ مجتمع، وأحلام وطن، وتفاصيل إنسان يبحث عن الحب والكرامة والحرية؟
إنهم لم يتركوا لنا أفلامًا فحسب، بل تركوا ذاكرة وطنية تستحق أن تُصان.
حسين فهمي.. حين يتحدث الفن بلسان الذاكرة
وفي المؤتمر الصحفي الذي كشف ملامح الدورة الجديدة، بدا استحضار الفنان القدير حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، لتاريخ المهرجان ومؤسسه الناقد السينمائي كمال الملاخ ورؤسائه السابقين، تعبيرًا عن قيمة الوفاء لجيل وضع البذور الأولى لهذا الصرح الثقافي.
فخمسون عامًا من السينما ليست مناسبة للاحتفال وحده، وإنما فرصة للتأمل في قيمة الفن المصري وقدرته على الاستمرار والتجدد.
ولعل وجود حسين فهمي على رأس المهرجان يحمل دلالة فنية خاصة؛ فهو أحد الوجوه التي عبرت من زمن السينما الكلاسيكية إلى حاضرها، وظل شاهدًا على تحولات الفن المصري، وكأن حضوره يجسد الجسر الممتد بين ذاكرة الشاشة الفضية وطموحات السينما المعاصرة.
وتأتي الدورة الجديدة بمشاركة 145 فيلمًا من 64 دولة، في مشهد يعكس قدرة القاهرة على جمع ثقافات العالم تحت سقف الإبداع، لتصبح كل شاشة نافذة على حضارة، وكل فيلم رسالة إنسانية، وكل حكاية فرصة لاكتشاف الآخر.
من عبق الماضي إلى آفاق المستقبل
أصبحت الذكريات، بما تحمله من عبق التاريخ وكنوز الحضارة، همزة وصل تنسج خيوط المجد بين ماضٍ عريق وحاضرٍ يزهو بالإنجاز ومستقبلٍ تتسع آفاقه للأمل والطموح.
وأدركنا أن الأمم لا ترتقي بأمجادها وحدها، بل بما تصنعه من حاضرها، وأن الأمل حين يقترن بالعمل، والعلم حين يصبح منهجًا للبناء، تولد نهضة الشعوب وتُكتب صفحات جديدة من تاريخ الأوطان، لتواصل مصر مسيرتها الحضارية في ظل الجمهورية المصرية الجديدة، مستلهمةً من عظمة الماضي إرادة الحاضر، وصانعةً للأجيال القادمة مستقبلًا يليق بمكانتها وتاريخها.
ومن هنا، لا يمكن النظر إلى مهرجان القاهرة السينمائي باعتباره احتفالية فنية منفصلة عن المشهد الحضاري المصري؛ فالسينما إحدى أدوات القوة الناعمة، والذاكرة البصرية للشعوب، ووسيلة تستطيع من خلالها الأمم أن تقدم هويتها للعالم دون أن تنطق بلغة واحدة.
وليس بعيدًا عن هذا المعنى أن ينتقل المقر الرسمي للمهرجان إلى دار الأوبرا المصرية، ذلك الصرح الذي تتجاور فيه الفنون، وكأن القاهرة تجمع خيوط إبداعها في بيت واحد، حيث تتعانق الموسيقى والسينما والمسرح في مشهد يليق بعاصمة صنعت تاريخًا طويلًا من التنوير.
السينما.. حين ينتصر الإنسان على الآلة
وفي عصر تتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي، تكتسب تصريحات حسين فهمي بشأن عدم مشاركة الأفلام المصنوعة بهذه التقنيات في الدورة الجديدة دلالة تستحق التأمل.
فالتكنولوجيا تستطيع أن تحاكي الصورة، وربما تعيد تشكيل الوجوه والأصوات، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالًا فلسفيًا عميقًا: هل تستطيع الآلة أن تمتلك ذاكرة الفنان، أو أن تشعر بارتعاشة الممثل أمام الكاميرا، أو أن تستحضر حنين المخرج إلى طفولته؟
إن قيمة السينما لا تكمن في الصورة وحدها، وإنما في الإنسان الذي يمنحها روحًا، وفي التجربة التي تجعل المشاهد يرى شيئًا من حياته على الشاشة.
ولهذا، فإن الحفاظ على التراث السينمائي لا يتعارض مع التقدم العلمي، بل يدعونا إلى توظيف المعرفة والتكنولوجيا في صون ذاكرة الفن، وترميم كنوزه، وإتاحتها للأجيال الجديدة، دون أن نفقد أصالة الإبداع الإنساني.
القاهرة.. خمسون عامًا والضوء لا ينطفئ
وفي نوفمبر المقبل، حين تُضاء شاشات المهرجان، وتلتقي وجوه السينما المصرية بنجوم العالم، لن تكون القاهرة مجرد مدينة تستضيف حدثًا دوليًا، بل ستصبح حكاية تُروى بعدسات متعددة، وذاكرة تستعيد جمال الأمس لتمنح الغد مزيدًا من الأمل.
فما بين أول مشهد سينمائي وآخر تصفيق في قاعة العرض، تعيش أوطان بأكملها، وتولد أحلام، وتبقى وجوه لا تغيب مهما تعاقبت السنوات.
هكذا تعلمنا السينما أن الماضي لا يموت حين نحسن الاحتفاء به، وأن الحاضر لا يزدهر إلا حين ندرك قيمة ما ورثناه، وأن المستقبل لا يُصنع بالأمنيات وحدها، بل بالعلم والعمل والإبداع.
ستظل القاهرة، بحضارتها وفنونها، قادرة على أن تقول للعالم إن مصر التي صنعت التاريخ، ما زالت تصنع الجمال، وإن الضوء الذي أضاء شاشاتها منذ عقود لم ينطفئ، بل يتجدد مع كل جيل يؤمن بأن الفن رسالة، والثقافة حياة، والإبداع أحد أجمل وجوه الوطن.
فبعض الذكريات لا تعود بنا إلى الماضي.. بل تأخذ بأيدينا نحو المستقبل.


التعليقات