ما يحدث حاليا فى أوروبا من احتجاجات ومظاهرات غاضبة، شبيهة إلى حد كبير بالمظاهرات التى خرجت فى 2011 فى عدد كبير من الدول العربية، بدءا من تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، ثم فى وقت لاحق، السودان، تطايرت شرارات تلك الاحتجاجات بسرعة لدول أخرى، مثل البحرين، ولولا «درع الخليج» الذى تدخل لإنقاذ الموقف، لكان الأمر خطرا للغاية على دول الجوار.
حينها انبرت الدول الأوروبية - وعلى رأسها بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، بجانب الولايات المتحدة الأمريكية، فى - الإعلان وبشكل سافر - عن دعم الاحتجاجات، وأقامت الدنيا ولم تقعدها، وذهبت تلك الدول لقاعات الأمم المتحدة لاستصدار قرارات تُشرعن تدخلها فى شأن الدول لدعم مخربى ومدمرى أوطانهم، ثم استصدار قرارا يشرعن تدخل «الناتو» عسكريا مثلما حدث فى ليبيا.
وبعد مرور 15 سنة بالتمام والكمال، تجنى هذه الدول ثمار ما زرعته فى 2011 باندلاع الاحتجاجات المخربة ذاتها على أراضيها، وانتظر مواطنو الدول التى شهدت ما تسمى كذبا وبهتانا «ثورات الربيع العربى» أن يروا ماذا تفعل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا حيال هذه الاحتجاجات، وهل تطبق ما كانت تنادى به من حرية التظاهر والاحتجاج؟ لكن صدمة الذين صدقوا هذه الشعارات فى بلادنا، كانت قاسية، عندما وجدوا تعامل الشرطة الفرنسية والبريطانية والإيطالية، مع المتظاهرين بكل أنواع العنف، يصل إلى حد إطلاق الرصاص!
ووسط هذا العنف والتعامل الوحشى من الشرطة للمتظاهرين، لم نسمع أى صوت لمنظمات حقوق الإنسان، التى طبقت الحكمة اليابانية الشهيرة، لا أرى شرا لا أتحدث شرا، لا أسمع شرا، بينما كانت هذه المنظمات تُسخر تقاريرها لإدانة الأنظمة فى الدول التى شهدت مظاهرات التخريب فى الوطن العربى، بتجاوز غير مسبوق، فى حين لم تنبس بحرف من كلمة اعتراض حيال ما يحدث من احتجاجات غاضبة ومدمرة فى أوروبا، وكأن «ماكينات» إعداد التقارير قد أصابها العطب!
وقاحة طلب الغرب وأمريكا وصلت إلى ضرورة تنحى الأنظمة، والاستجابة لمطالب المخربين، ثم تدخلت عسكريا للتغيير بقدرة قواتها الجوية، وكانت النتيجة مدمرة، وضياع دول ما بين التمزيق والتقسيم واندثار الأمن والأمان والاستقرار، فى المقابل تأتى بأكثر مما كانت تعارضه فى كبح المظاهرات والاحتجاجات، واستدعاء الجيوش لحماية المؤسسات، وهنا تتجلى واحدة من أكثر المفارقات السياسية الأوروبية إثارة للجدل، حكومات تتحدث باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان عندما تواجه أنظمة عربية احتجاجات شعبية، وتطالب بوقف العنف، وتدعو رؤساء إلى التنحى، بل تشارك بعض دولها فى عمليات عسكرية تحت شعار «حماية المدنيين»، لكنها تواجه احتجاجات مواطنيها فى الداخل بأدوات أمنية قاسية تستخدم فيها الشرطة كل قوتها المفرطة لتفريق الحشود، وتثير ممارساتها انتقادات منظمات حقوق الإنسان.
فعلى سبيل المثال، عندما اندلعت الاحتجاجات المخربة فى 25 يناير 2011 بمصر، طالبت بريطانيا على وجه التحديد بوقف القمع، وأكدت ضرورة الإصلاح السياسى والانتقال إلى نظام أكثر ديمقراطية، وتكشف وثائق لجنة الشؤون الخارجية فى مجلس العموم البريطانى أن الحكومة البريطانية تابعت الاحتجاجات عبر اتصالات دبلوماسية مكثفة، وأنها ضغطت على السلطات المصرية لتجنب القمع العنيف، ودعمت الدعوة إلى انتقال سياسى يضم أطيافا واسعة من المعارضة، وبعد جمعة الغضب 28 يناير تزايد الضغط الدولى من أجل تغيير سياسي، إلى أن أعلن حسنى مبارك تنحيه فى 11 فبراير 2011.
وفى سوريا، وتحديدا يوم 18 أغسطس 2011، أصدرت بريطانيا وفرنسا وألمانيا بيانا مشتركا بشأن سوريا، أعلنت فيه أن الرئيس بشار الأسد فقد الشرعية التى تخوله قيادة البلاد، ودعته إلى التنحى، كما طالبت الدول الثلاث بوقف العنف فورا، وإطلاق سراح سجناء الرأى، والسماح بتقييم مستقل للأوضاع، وأكدت دعمها لفرض عقوبات أوروبية إضافية على النظام السورى.
وكانت ليبيا المثال الأكثر وضوحا على الانتقال من الضغط الدبلوماسى إلى التدخل العسكرى، ففى 17 مارس 2011، أصدر مجلس الأمن القرار 1973، الذى أجاز اتخاذ التدابير اللازمة، وفرض منطقة حظر جوى، وتقدمت فرنسا وبريطانيا الجهود الداعية إلى التدخل العسكرى، وبدأت العمليات العسكرية فى 19 مارس، ثم تولى حلف شمال الأطلسى قيادة العملية لاحقا، واستمرت العملية حتى 31 أكتوبر 2011، بعد انهيار نظام معمر القذافى ومقتله، وهنا يبرز السؤال الثقيل: هل تحقق الاستقرار الذى كان الليبيون يحتاجون إليه؟
الدول الأوروبية تستخدم كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة للحفاظ على استقرار بلادها، وقمع كل الاحتجاجات والمظاهرات، مثلما حدث فى احتجاجات السترات الصفراء فى فرنسا سنة 2018، والتى شهدت إصابات واسعة فى صفوف المتظاهرين، نتيجة عنف الأمن، بينما تدعمها خارج حدودها وتحديدا فى دول منطقة الشرق الأوسط!
وهنا تتجلى المفارقة، فرنسا التى دفعت باتجاه التدخل العسكرى فى ليبيا تحت عنوان «حماية المدنيين»، واجهت داخل حدودها اتهامات باستخدام قوة مفرطة ضد متظاهرين، ما يفرض سؤالا عن مدى التزام الدولة نفسها بالمعايير الحقوقية التى تدعو الآخرين إلى احترامها.
الشاهد من هذا السرد، هو ازدواجية المعايير عندما تتقدم المصالح على المبادئ، وعندما تتأخر الإدانة طالما النظام حليفا، ثم ترتفع النبرة بعد سقوطه أو اقتراب سقوطه، أو عندما يتحول شعار» حماية المدنيين» من «مبرر» للضغط السياسى إلى «غطاء» لتدخل عسكرى لا تتضح أهدافه النهائية ولا ضمانات ما بعده!


التعليقات