النهضة العمرانية وتحديث البنية التحتية وجودة الحياة في رؤية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي

أ.د/ مها محمد عبد القادر
أ.د/ مها محمد عبد القادر

تنطلق مسيرة النهضة العمرانية الشاملة في ربوع الوطن وفق فلسفة علمية واقعية أرساها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي لمعالجة معضلة التكدس السكاني المزمن داخل الحيز الجغرافي الضيق حول الوادي والدلتا؛ فالانحصار السكاني طويل الأمد فوق رقعة محدودة للغاية أفرز عبر العقود الماضية تداعيات اجتماعية وأمنية واقتصادية وثقافية بالغة التعقيد، وأفضى سابقًا إلى تمدد التجمعات العشوائية وتراجع مستوى المرافق والخدمات العامة الأساسية، ولذلك نبذت القيادة الرشيدة الأطروحات الخيالية المنفصلة عن حقائق الواقع، واتجهت بجرأة مدروسة وإرادة وطنية حاسمة نحو مضاعفة الرقعة المعمورة عبر التخطيط المتكامل واستصلاح الظهير الصحراوي الفسيح وتعمير الأراضي البكر، وبذلك يتسع النطاق الحيوي أمام الأجيال الحاضرة والمتعاقبة للعيش الكريم والعمل المنتج في بيئة حضرية منظمة تصون كرامة الإنسان وحقوقه وتواكب الزيادة السكانية المتسارعة بتوازن عمراني وتنموي شاملًا.

تستند السياسة التعميرية المعاصرة إلى مخطط وطني بعيد المدى صاغته عقول وطنية خبيرة ومستنيرة وتبناه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بعناية فائقة لتوجيه حركة العمران على أسس علمية مدروسة؛ فالدراسات الجغرافية والعمرانية أكدت حتمية الخروج نحو الامتدادات الصحراوية الرحبة وتجاوز التردد القديم الذي عارض فكرة تشييد الحواضر الجديدة في الأراضي غير المستغلة، وبعد أن أثبتت التجارب العمرانية السابقة نجاحها الباهر في استيعاب الكثافات السكانية العالية وتأسيس قلاع صناعية وإنتاجية كبرى، مضت الدولة قدمًا في تشييد العديد من المدن الذكية وحواضر الجيل المتطور في مختلف الأقاليم الجغرافية المتنوعة، وقد برهنت مؤشرات الاستهلاك الخدمي والكهربائي والنشاط التجاري والصناعي والإداري على استقرار أعداد غفيرة من الأسر فعليًا داخل تلك الحواضر الفتية التي تحولت إلى مجتمعات كبرى عامرة بالسكان والحركة الاقتصادية والأنشطة الخدمية النابضة بالحياة.

يأتي تشييد العاصمة الإدارية الجديدة ثمرة دراسات تخطيطية وجغرافية معمقة أجرتها لجان علمية مستقلة من العلماء والخبراء والمتخصصين لتحديد الموقع الأنسب لنقل المقرات الحكومية والوزارية والإدارية خارج قلب العاصمة القديمة المزدحمة؛ ففكرة تحريك مقرات الإدارة والحكم عرفها العمران البشري عبر العصور المتعاقبة كلما ضاقت الحواضر القديمة بسكانها وتعذر تحديث مرافقها وشبكاتها الخدمية والحيوية، ومع تفاقم الاختناق المروري وتباطؤ حركة المركبات داخل الشوارع والميادين وتكبد الاقتصاد الوطني خسائر مالية وبيئية فادحة جراء التلوث واستهلاك الوقود والطاقة وإهدار الوقت والجهد البشري، رجحت المقارنات الفنية الدقيقة الموقع الشرقي المتميز من بين عدة بدائل مطروحة لتحفيز التمدد العمراني المتوازن، فوجهت القيادة السياسية بالتنفيذ الفوري استنادًا للمعايير التخطيطية والعلمية السليمة التي تحمي الحاضرة العريقة من الشلل المروري وتصنع بيئة إدارية وحكومية ذكية ومتطورة وعصرية.

تتحول الواجهات الساحلية الشمالية من مناطق مهجورة تعاني مخلفات الحروب وحقول الألغام ومصايف موسمية تعمل لأسابيع معدودة إلى حواضر اقتصادية وسياحية وصناعية وسكنية تنبض بالنشاط والعمران والإنتاج طوال فصول العام؛ فالتخطيط السديد تجاوز نمط القرى الصيفية التقليدية التي أهملت استثمار تلك الشواطئ الفريدة وحرمت سكان وأهالي الأقاليم الساحلية من فرص التنمية الآمنة بعد عقود طويلة من الحرمان والمعاناة، وقد نجحت المشروعات الساحلية الحديثة في استقطاب السياحة الوافدة بكثافة عالية وتوفير موارد وعوائد مالية واستثمارية وفيرة ومتنامية لخزينة الدولة، وتزامن هذا التحول الكبير مع إبرام شراكات استراتيجية كبرى بين الحكومة والمطورين الوطنيين الجادين لتطوير وتشغيل مشروعات عمرانية ولوجستية وصناعية وسياحية متعددة الأغراض، لتبرهن الشراكة الوثيقة مع القطاع الخاص الوطني على جاذبية المناخ الاستثماري وقدرته العالية على تعظيم العوائد الاقتصادية والاجتماعية والمالية.

تشمل النهضة الشاملة تطوير شبكات الطرق والمحاور والكباري والسكك الحديدية وقطارات الجر الكهربائي والموانئ البحرية في شتى الأقاليم والمحافظات بعد عقود طويلة من التهالك ونقص الصيانة؛ فالدولة لم تكتفِ بمد الشرايين المرورية الحديثة وتقليص الحوادث وتطبيق إجراءات الحوكمة وتعزيز وسائل النقل الجماعي الأخضر الصديق للبيئة، وإنما اتجهت بقوة وعزم نحو توطين الصناعة الوطنية عبر تأسيس مصانع متطورة داخل البلاد لإنتاج عربات القطارات ومختلف مركبات المواصلات بسواعد كوادر وطنية ماهرة، ورغم أن رسوم المرور الحالية لا تغطي التكلفة الاستثمارية الضخمة أو نفقات الصيانة الدورية لتلك المحاور الحيوية، فقد مضت الإدارة الوطنية في إنجاز هذه البنية الأساسية بالتوازي مع حسم أزمة الطاقة الكهربائية جذريًا، إدراكًا لكون المرافق الحديثة وشبكات الربط اللوجستي عصبًا حيويًا لتحريك عجلة الإنتاج وتنشيط التجارة الداخلية والخارجية وتثبيت أركان الدولة الفتية.

تسير جهود تشييد المدن الذكية جنبًا إلى جنب مع تطوير الحواضر القديمة وعواصم المحافظات وإحياء المناطق التراثية والعريقة دون إغفال لأي بقعة عمرانية في ربوع البلاد؛ فقد تعاملت الدولة بحسم إنساني نبيل مع ملف المناطق غير الآمنة التي انتشرت في السابق وافتقرت لأبسط مقومات العيش الآدمي الكريم، وتمكنت من إزالتها بالكامل وتغيير واقع أعداد هائلة من الأسر والمواطنين الذين انتقلوا للسكن الآمن في مجتمعات حضارية متكاملة الخدمات والمرافق التعليمية والصحية والرياضية، وبذلك طويت صفحة العشوائيات الخطرة التي حاصرت المدن الكبرى لعقود طويلة بسبب غياب التخطيط المسبق وتآكل الرقعة الزراعية الخصبة، لتثبت الوقائع الميدانية الملموسة أن التوسع في المجتمعات العمرانية الجديدة لم يأتِ مطلقًا على حساب المدن العريقة، وإنما تكامل المساران معًا للارتقاء الفعلي بجودة البيئة الحضرية وصون الطابع المعماري الأصيل.

تتواصل الطفرة الإسكانية الكبرى لتلبية تطلعات الشباب والأسر محدودة ومتوسطة الدخل بعد أن أنجزت الدولة توسعًا عمرانيًا وإسكانيًا كبيرًا في تشييد الوحدات السكنية الحضارية التي أنهت ظاهرة سكن المقابر والأحياء العشوائية غير المخططة؛ ولإحداث توازن حقيقي وعادل في السوق العقارية وتجاوز حصر السكن في ثقافة التمليك وحدها، وجه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بإحياء منظومة الإيجار السكني الميسر من خلال تعاون الأجهزة الحكومية مع المؤسسات التنموية الوطنية وشركات القطاع الخاص لتشييد أعداد وفيرة من الوحدات الإيجارية وتقاسم الأعباء والتكاليف التمويلية مناصفة، مع معالجة تشابكات قوانين الإيجار القديمة التي أفرزت في الماضي أزمات عمرانية واجتماعية معقدة، لتتضافر جهود المؤسسات الرسمية والمطورين العقاريين والمجتمع المدني في توفير المأوى اللائق والكريم لكل أسرة وطنية ومواكبة الطلب المتنامي الناتج عن الزيادة السكانية المطردة.

تمتد مظلة العدالة التنموية الاجتماعية إلى أعماق الريف عبر المبادرات الرئاسية الكبرى التي تستهدف تطوير القرى والنجوع وتحديث مرافقها الأساسية لخدمة قطاعات عريضة من المواطنين في كافة الأقاليم والمحافظات؛ فقد أتمت الدولة المرحلة التمهيدية والأولى بتكلفة مالية ضخمة وتابعت العمل الميداني المتواصل في المراحل اللاحقة بالتتابع لإنجاز كافة المستهدفات التنموية الشاملة وفق الجداول الزمنية المحددة، بالتوازي مع تنفيذ مشروعات عديدة لمياه الشرب النقية ورفع نسبة تغطية الصرف الصحي بالقرى أضعافًا مضاعفة مقارنة بالفترات السابقة لتشمل الأغلبية العظمى من سكان الريف بعد طول انتظار ومعاناة، وقد أشادت القيادة السياسية بالنماذج الأهلية الملهمة للقيادات المحلية بالقرى في مواجهة التحديات الميدانية وتخفيف الأعباء عن كاهل المؤسسات والهيئات العامة، بوصفها قدوة عملية قادرة على إحداث تحول إيجابي وملموس وواسع في ربوع القرى بروح تشاركية بنّاءة.

تبرهن النتائج الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمشروعات العمرانية الكبرى على صواب الرؤية الاستباقية التي بادرت بالتنفيذ الفوري قبل تضاعف التكاليف المالية مرات عديدة خلال العقود الزمنية المقبلة؛ فقطاع التشييد والبناء يرتبط بعشرات الصناعات الوطنية المغذية والحرف والمهن الإنتاجية وقد أسهم مباشرة في خفض معدلات البطالة وتوفير فرص العمل السريعة والمتواصلة للشباب في مختلف الأقاليم، ورغم أن نهضة الأمم وتطورها الشامل تستغرقان عادة حقبًا زمنية طويلة تمتد لعقود متتالية، فقد قطعت البلاد في غضون سنوات معدودة شوطًا تنمويًا واسعًا يختصر الزمن ويؤسس لنهضة شاملة في كافة القطاعات، وتتجه العزيمة الوطنية الصادقة نحو إتمام خطط التطوير الجارية وفق الجداول الزمنية المرسومة بدقة، لتقف الدولة على أعتاب نهضة اقتصادية وعمرانية حقيقية يتسلم رايتها جيل بعد جيل في وطن مزدهر ينعم بالاستقرار والرخاء والنمو المتلاحق والازدهار.

__

أستاذ أصول التربية كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.