التمويلات المشبوهة تفتح ملف قنوات الجماعة في الخارج.. أوروبا تحاصر أموال الإخوان وتفتح ملف الجمعيات والواجهات المالية.. باحث يكشف تحركات لتشديد الرقابة على التحويلات والمنح وتجميد الأصول

الاخوان
الاخوان

في تطور لافت يعكس تحولاً استراتيجياً في المقاربة الأوروبية تجاه جماعة الإخوان الإرهابية ، تتجه فرنسا نحو قيادة مسار أوروبي مشترك ورفيع المستوى لتضييق الخناق على شبكات التنظيم ومؤسساته في القارة العجوز. لم يعد الأمر مقتصراً على التحذيرات السياسية أو التقارير الاستخباراتية، بل انتقل إلى مرحلة التنفيذ القانوني والميداني الشامل، عبر تشديد إجراءات التدقيق المالي، وتتبع التحويلات العابرة للحدود، ومراجعة المنح والمساعدات الأوروبية التي تصل إلى جمعيات وكيانات مرتبطة بالتنظيم. وفي هذا السياق، يكشف الباحث في شؤون الحركات المتطرفة طارق أبو السعد عن تفاصيل هذا التحرك الأوروبي المتسارع، وأبعاده القانونية والأمنية، والآليات المقترحة لتفكيك البنية المالية التي مكنت التنظيم من الصمود لعقود.

تحرك فرنسي بقيادة أوروبية

وأشار أبو السعد إلى أن فرنسا تتجه نحو قيادة مسار أوروبي مشترك ورفيع المستوى لتضييق الخناق على شبكات ومؤسسات جماعة الإخوان الارهابية في أوروبا، عبر تشديد إجراءات التدقيق المالي، وتتبع التحويلات العابرة للحدود، ومراجعة المنح والمساعدات الأوروبية التي تصل إلى جمعيات وكيانات مرتبطة بالتنظيم. مؤكدا، أن هذا التحرك ليس وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لسلسلة من الخطوات التصاعدية بدأت بتقرير استخباراتي فرنسي حذر من أن الإخوان "ليسوا مجرد جماعة دينية بل مشروع سياسي عقائدي يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع الفرنسي من الداخل .

ويستند أبو السعد في تحليله إلى المعطيات البرلمانية الفرنسية، حيث قال أن الاتصالات السياسية الجارية تستهدف إعداد مقترحات رسمية لتقديمها إلى المفوضية الأوروبية تشمل توحيد قواعد الإفصاح عن التمويل وإلزام جميع الكيانات والمؤسسات المستفيدة من المنح العامة بالكشف الشفاف عن الجهات الممولة وشركائها.

مساءلة برلمانية تفتح الباب

وأوضح أبو السعد أن هذه التحركات تأتي في أعقاب مساءلة برلمانية قدمتها النائبة للحكومة الفرنسية، حيث تمثلت الخطوة الأولى في تسليط الضوء على البرامج التعليمية والشبابية والثقافية التي تُستغل كمنافذ لتمرير الأموال عبر جمعيات وسيطة. مؤكدا، أن المقترحات الحالية تتضمن وضع آليات قانونية صارمة لاسترداد الأموال الصادرة في حال ثبوت تقديم بيانات مضللة أو مخالفة للشروط، وهي خطوة وصفها بأنها سد للثغرة التي مكنت جمعيات منحلة من نقل أموالها إلى كيانات أجنبية ثم العودة إلى النشاط من بوابات أخرى.

وأشار أبو السعد إلى أن السياق البرلماني الفرنسي يشهد تطوراً موازياً، حيث اعتمدت الجمعية الوطنية الفرنسية في يناير 2026 قراراً يدعو إلى إدراج جماعة الإخوان وقياداتها على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، لتتصدر القضية المشهد الأوروبي بصورة مباشرة . مضيفا، أن لجنة الشؤون الأوروبية في الجمعية الوطنية كانت قد تبنت توصية تطالب بإدراج الجماعة على القائمة الأوروبية، مشيرة إلى الطابع العابر للحدود لشبكاتها وداعية إلى استجابة أوروبية منسقة .

من الملفات القانونية إلى تجميد الأصول

وعلى الصعيد الأمني والميداني، كشف أبو السعد عن أن المقاربة الأمنية المقترحة تركز على إعداد ملفات قانونية مستقلة وموثقة لكل جمعية أو مؤسسة تشير المعطيات إلى ارتباطها التنظيمي أو المالي بالجماعة. ويستند في ذلك إلى ما أكده مصدر في وزارة الداخلية الفرنسية من أن الإجراءات المقترحة تشمل مقارنة البيانات المصرفية والإدارية، وتتبع التحويلات الدولية المشبوهة بالتعاون مع أجهزة مكافحة غسل الأموال وتجفيف منابع التمويل، وتبادل المعلومات المحددة مع الدول الشريكة كالنمسا وهولندا لتجميد أموال الكيانات المخالفة وسد الثغرات القانونية.

وأشار أبو السعد إلى أن هذا التوجه يتسق مع ما وصفته مصادر فرنسية بـ"الخطة الشاملة" التي أعلنها الرئيس إيمانويل ماكرون، والتي تنقسم إلى شقين: الأول يتعلق بمكافحة البنية المالية للإخوان والجمعيات المرتبطة بها من خلال فرض نظام قسري لمصادرة أصول الجمعيات المنحلة، والثاني يتضمن تعديلات تشريعية تهدف إلى تسهيل حل الجمعيات والمنظمات التي تشكل امتداداً للجماعة، وعلى رأسها صناديق الأوقاف وبعض المؤسسات التعليمية التابعة لها .

التركيز المالي أكثر فاعلية

وشدد أبو السعد على أن هذه المقاربة تحظى بدعم خبراء أوروبيين متخصصين في الإسلام السياسي، مستشهداً بتأكيد الصحفي الفرنسي إروان سيزنيك على أن التركيز المباشر على التدفقات المالية والعلاقات الإدارية يزود السلطات الأوروبية بأدوات قانونية وإجرائية أكثر فاعلية واستدامة لمواجهة الهياكل المتباينة لتنظيم الإخوان. مضيفا، أن نجاح الخطوة الفرنسية يعتمد على تقديم ملفات وأدلة ملموسة تُثبت المخالفات المالية والإدارية، وبما يضمن عدم انتقال الأنشطة المشبوهة والتفافها بين الدول الأوروبية.

ويستند أبو السعد في تحليله إلى خبرة سابقة أثبتت جدواها، حيث اشار إلى أن فرنسا نفذت منذ أغسطس 2021 أكثر من 10 آلاف عملية تفتيش أُغلقت على إثرها 741 مؤسسة، وتم استرداد 12 مليون يورو من الأموال المشبوهة . ويؤكد أن هذه الأرقام تكشف عن حجم الظاهرة، لكنها في الوقت نفسه تشير إلى أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.

قرار البرلمان وخطوات متسارعة

وينتقل أبو السعد إلى البعد الأوروبي الأوسع، مشيراً إلى أن البرلمان الأوروبي كان قد صوت بأغلبية 381 صوتاً مقابل 167 صوتاً معارضاً و15 ممتنعاً لصالح قرار يدعو إلى استراتيجية أوروبية موحدة للتعامل مع شبكات الإخوان ونفوذها . مشيرا، إلى أن القرار يتضمن دعوات صريحة لإدراج كيانات وأفراد مرتبطين بالجماعة على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، إلى جانب إجراءات تتعلق بالتمويل والتعاون بين الدول الأعضاء.

واكد أبو السعد أن هذا الزخم الأوروبي يعكس تنامي الإدراك لدى المجتمع الدولي لخطورة جماعة الإخوان وممارساتها وأيديولوجيتها ، موضحاً أن القرار البرلماني الأوروبي، وإن كان غير ملزم، إلا أنه يمثل إطلاقاً لمسار مكافحة الإخوان في القارة الأوروبية، وبداية لسقوط منظمات الجماعة التي عملت تحت لافتات مدنية لسنوات .

إعلام الإخوان.. نصيب كبير من التمويلات

وفي سياق تتبع مصادر التمويل وأوجه إنفاقها، أشار طارق أبو السعد، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، إلى أهمية إخضاع المنظومة الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية لمزيد من التدقيق المالي، في ظل الدور الذي تلعبه القنوات والمنصات الناطقة باسم التنظيم في الترويج لأفكاره ومهاجمة الدولة المصرية.

وأوضح أن الإعلام يمثل أحد الملفات الرئيسية في منظومة عمل الجماعة بالخارج، إذ يحتاج تشغيل القنوات والاستوديوهات والمنصات الرقمية وتمويل الإنتاج الإعلامي إلى موارد مالية مستمرة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مصادر هذه الأموال، وآليات توزيعها، ومدى خضوعها للرقابة والمحاسبة.

وأضاف أن ملف التمويلات لا ينبغي أن يقتصر على الجمعيات والواجهات المالية التي قد ترتبط بالتنظيم، بل يجب أن يمتد إلى فحص أوجه الإنفاق داخل المؤسسات الإعلامية، والكشف عن الجهات التي تتحمل تكاليف التشغيل والإنتاج والأجور، والتحقق من مدى الالتزام بالقواعد القانونية المنظمة للتحويلات والمنح.

ولفت إلى أن الأزمة الحقيقية تظهر عندما تتزايد الأعباء المالية وتتراجع الموارد، فتبرز التساؤلات بشأن أولويات الإنفاق، ومدى انعكاس أي تعثر مالي على العاملين داخل هذه المؤسسات، مقارنة بالموارد المخصصة لاستمرار النشاط الإعلامي والرسائل التي تسعى الجماعة إلى ترويجها.

وأكد أن تعزيز الشفافية المالية يقتضي إخضاع جميع الكيانات المعنية للقواعد القانونية المعمول بها في الدول الأوروبية، والتحقق من مصادر التمويل وأوجه استخدامه، بما يضمن عدم استغلال المؤسسات والجمعيات في تمرير أموال غير مشروعة أو الالتفاف على إجراءات الرقابة المالية.

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.