لم تعد محاولات جماعة الإخوان الإرهابية للتأثير في الرأي العام تقتصر على نشر الشائعات أو ترويج ادعاءات غير مثبتة، بل باتت تعتمد على استغلال طبيعة المنصات الرقمية نفسها، عبر صناعة موجات من المحتوى المثير، وإعادة توزيع الرسائل، وتقديم روايات تستهدف توجيه اهتمام الجمهور نحو قضايا مختارة، بما يخلق انطباعات قد تتجاوز حقيقة الوقائع، وتكشف هذه الممارسات، متى ثبت ارتباطها بحسابات الجماعة أو منصاتها، عن محاولة للسيطرة على تفسير الأحداث بدلًا من تقديم معلومات موثقة عنها.
وتراهن جماعة الإخوان الإرهابية على أن كثافة المحتوى وتكراره يمكن أن يمنحا الرسالة حضورًا يفوق قيمتها الحقيقية، وأن يتحول التفاعل الإلكتروني إلى انطباع بوجود حالة عامة من الغضب أو التأييد، لكن هذا الرهان يصطدم بوعي المصريين الذين أصبحوا أكثر انتباهًا إلى مصادر المنشورات وتواريخها، وبجهود مؤسسات الدولة في توضيح الحقائق والتصدي للمعلومات المضللة، وهنا تتجاوز المواجهة مجرد كشف صورة معدلة أو فيديو قديم، لتصبح معركة على مصداقية المصدر وقدرته على التأثير في وعي الجمهور.
من نشر المحتوى إلى توجيه الانتباه
وتسعى جماعة الإخوان الإرهابية، عندما تستخدم حملات رقمية قائمة على محتوى مضلل، إلى استثمار سرعة التداول في فرض موضوعات بعينها على النقاش العام، وقد يتحقق ذلك من خلال تكرار رسالة واحدة بصيغ مختلفة، أو إرفاق صورة بتعليق مثير، أو إعادة طرح مادة قديمة في توقيت جديد، بما يدفع المستخدمين إلى التفاعل مع الرواية قبل التحقق من عناصرها.
ولا تكمن خطورة هذه الآلية في مضمون المنشور وحده، وإنما في الطريقة التي يُقدَّم بها وتوقيت ظهوره وحجم التكرار المحيط به، فقد تبدو الرسالة أكثر أهمية بسبب كثرة تداولها، رغم أن عدد المشاركات لا يثبت صحتها، ولا يكشف بالضرورة عن عدد الأشخاص الذين يتبنون مضمونها فعلًا.
وتحاول جماعة الإخوان الإرهابية، عبر هذا النمط من التأثير عندما يثبت استخدام منصاتها له، تحويل الاهتمام الرقمي إلى أداة ضغط على الرأي العام، غير أن قياس المواقف الشعبية لا يمكن أن يستند إلى المنشورات وحدها، لأن التفاعل الإلكتروني لا يمثل بالضرورة اتجاهات المجتمع، ولا يثبت أن الرسالة المتداولة تعبر عن موقف جماعي واسع.
التلاعب بالسياق
وتعتمد بعض أساليب التضليل على إعادة تقديم مواد حقيقية في سياق مختلف، بحيث يتغير المعنى الذي يستخلصه المتلقي منها، وقد تعيد حسابات مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية تداول مقطع قديم من دون توضيح تاريخه، أو تستخدم صورة منفصلة عن ظروفها الأصلية لدعم رواية جديدة، فيصبح التوقيت المحذوف عنصرًا أساسيًا في صناعة الانطباع المضلل.
وتكشف هذه الآلية أن التحقق من أصالة الصورة لا يكفي وحده، إذ ينبغي أيضًا معرفة وقت وقوع الحدث، ومكانه، وتاريخ نشر المادة للمرة الأولى، وما إذا كان التعليق المصاحب يعكس محتواها الحقيقي. فقد يكون المشهد صحيحًا، بينما تكون الرواية المقدمة بشأنه غير دقيقة بسبب تغيير السياق أو إخفاء معلومات جوهرية.
وتفقد جماعة الإخوان الإرهابية، عندما تنكشف هذه التناقضات في المواد المنسوبة إلى منصاتها، جزءًا من قدرتها على إقناع الجمهور بروايتها، فالمحتوى الذي يحتاج إلى إخفاء تاريخه أو اجتزاء تفاصيله حتى يؤدي غرضًا سياسيًا لا يستطيع الصمود أمام المقارنة بالمصادر الأصلية والبيانات الموثوقة.
وتحاول جماعة الإخوان الإرهابية، في حملات التضليل القائمة على الصور والشعارات، الاستفادة من قوة المشهد البصري في تكوين الانطباع الأول لدى الجمهور، فالصورة التي توحي بوجود تجمع أو انتشار شعار معين قد تدفع المتابع إلى استنتاج وجود تحرك جماعي، رغم أن المادة المنشورة وحدها لا تثبت مكان التصوير أو توقيته أو حقيقة الحدث.
وقد تستخدم حملات التضليل تصميمات معدلة أو صورًا قديمة أو مواد مولدة رقميًا، لكن إثبات التلاعب يتطلب فحص كل صورة على حدة، ومقارنة النسخ المتداولة، والبحث عن المصدر الأصلي، والاستعانة بالمؤشرات الفنية المتاحة، وتحاول جماعة الإخوان الإرهابية، عندما تروّج لشعارات باعتبارها دليلًا على تحركات واسعة من دون إثبات مستقل، تجاوز الفارق بين النشاط الإلكتروني والواقع الميداني. فانتشار الوسم لا يثبت وجود حشود، وتكرار التصميم لا يعني أن هناك جمهورًا يتبناه، كما أن كثافة المنشورات لا تكفي لقياس حجم التأييد الشعبي.
ويمثل وعي المواطنين أحد أهم العوامل التي تحد من تأثير حملات جماعة الإخوان الإرهابية، لأن نجاح التضليل يتوقف بدرجة كبيرة على إعادة نشر المحتوى قبل التحقق منه، وعندما يتوقف المستخدم لفحص المصدر والتاريخ ومقارنة المعلومات، فإنه يحرم الشائعة من قدرتها على الانتشار، ويمنع تحول الانطباع الأول إلى قناعة يصعب تصحيحها لاحقًا.
ويعزز هذا الوعي دور مؤسسات الدولة في كشف ملابسات الوقائع وتقديم المعلومات الرسمية، إلى جانب مسؤولية المؤسسات الصحفية عن التحقق من المواد المتداولة وعدم الاكتفاء بنقل المنشورات الأكثر انتشارًا، وتصبح المواجهة أكثر فاعلية عندما تتكامل البيانات الموثوقة مع التدقيق المهني ومشاركة المواطنين في التنبيه إلى التناقضات وكشف السياقات المضللة.
وتكشف محاولات جماعة الإخوان الإرهابية توظيف المحتوى المثير وإعادة إنتاج الرسائل عن حدود التأثير الذي يمكن أن تحققه الحملات الرقمية عندما تفتقر إلى الأدلة، فقد تنجح الرسالة المضللة في جذب الانتباه مؤقتًا، لكنها لا تستطيع ضمان استمرار المصداقية إذا تعارضت مع الوقائع أو انكشف مصدرها أو ثبت إخراجها من سياقها.
وتؤكد يقظة مؤسسات الدولة ووعي المصريين أن مواجهة التضليل لا تتحقق بمجرد إطلاق الاتهامات، وإنما بتقديم الأدلة وتوثيق التواريخ ومراجعة المصادر وتصحيح المعلومات بوضوح. كما أن إثبات مسؤولية أي جهة عن حملة محددة يظل مرتبطًا بالأدلة التي توثق مصدر المحتوى وطريقة نشره، لا بمجرد الاختلاف السياسي مع الرسالة المتداولة.
ولا تستطيع جماعة الإخوان الإرهابية تحويل الضجيج الإلكتروني إلى حقيقة بمجرد تكرار المنشورات، ولا يمكن للصورة أن تحل محل الدليل أو للشعار أن يثبت وجود حراك على الأرض. ومع ارتفاع وعي المصريين واستمرار جهود مؤسسات الدولة في كشف المعلومات المضللة، تتراجع فرص تمرير الروايات المصطنعة، وتفقد الجماعة إحدى أهم أدواتها في محاولة التأثير في الرأي العام، لتكتب محاولاتها المتكررة لتزييف الوعي شهادة جديدة على تراجع مصداقيتها أمام الحقائق.


التعليقات