الأوقاف تحيي اليوم العالمى لتنظيف البيئة: سلوك حضاري يجب تحويله لعادة راسخة

اليوم العالمي لتنظيف البيئة
اليوم العالمي لتنظيف البيئة

قالت وزارة الأوقاف جعل الإسلام عمارة الأرض، وصيانة مواردها، وحفظ النعمة من مقتضيات الاستخلاف الرشيد، وربط صلاح حياة الناس بسلامة ما حولهم من بيئة، وموارد، ومرافق، ويأتي اليوم العالمي لتنظيف البيئة الذي يوافق 20 سبتمبر من كلِّ عامٍ؛ مناسبة لتجديد الوعي بأهمية النظافة، ومنع الهدر، وصون البيئة، واستحضار ما أرسته الشريعة من قيم الطهارة، والإحسان، وعدم الإسراف والإفساد في الأرض.

اليوم العالمي لتنظيف البيئة من الوعي إلى العمل

يوافق اليوم العالمي لتنظيف البيئة ٢٠ سبتمبر من كلِّ عامٍ، وقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم مناسبة عالمية للتوعية بأهمية جهود التنظيف، والإسهام في تحقيق التنمية المستدامة، وتيسير التعاون بين مختلف الجهات والمجتمعات في سبيل بيئة أنظف وأكثر صحة.

ويأتي الاحتفال العالمي لعام ٢٠٢٦م تحت شعار "من أطباق نظيفة إلى مدن نظيفة"، في إشارة إلى الصلة الوثيقة بين ما نفعله بالطعام والموارد في حياتنا اليومية، وبين نظافة الأحياء والمدن، وكفاءة نظم إدارة النفايات والموارد.

ويركز اليوم العالمي لتنظيف البيئة هذا العام على هدر الأغذية، باعتباره من أبرز مصادر النفايات التي تثقل كاهل المدن والمجتمعات، مع التأكيد على أن الحدَّ منه ممكن من خلال منع الهدر من مصدره، والاستفادة من الأغذية الصالحة للأكل، واسترداد المواد العضوية التي يتعذر تجنبها، وترشيد استخدام الموارد.

وبحسب تقرير مؤشر هدر الأغذية لعام ٢٠٢٤م الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، بلغ هدر الأغذية نحو ١.٠٥ مليار طن متري عام ٢٠٢٢م في المنازل، وقطاع خدمات الطعام، وتجارة التجزئة، بما يعادل نحو ١٩% من الأغذية المتاحة للمستهلكين.

وتزداد أهمية هذه القضية حين نعلم أن هدر الغذاء يحدث في الوقت الذي لا يزال فيه ملايين البشر يعانون الجوع وانعدام الأمن الغذائي؛ مما يجعل المحافظة على الطعام وعدم إهداره سلوكًا يجمع بين البعد الأخلاقي، والاقتصادي، والبيئي، والإنساني.

ولا يقتصر أثر هدر الأغذية على فقدان الطعام نفسه، بل تمتد آثاره إلى الموارد التي استُخدمت في إنتاجه من أرض، وماء، وطاقة، وجهد، فضلًا عمَّا يترتب على التخلص من النفايات من أعباء بيئية واقتصادية.

ومن هنا فإن شعار "من أطباق نظيفة إلى مدن نظيفة" يحمل معنى عمليًّا واضحًا: فالنظافة تبدأ من السلوك اليومي للفرد، وتمتد إلى البيت والمجتمع والحي والمدينة، وكلما أحسن الإنسان التعامل مع النعمة والموارد أسهم في بناء بيئة أكثر نظافة وكفاءة واستدامة [من موقع الأمم المتحدة - اليوم العالمي لتنظيف البيئة ٢٠ أيلول/ سبتمبر].

نظافة البيئة في الرؤية الإسلامية حفظ للنعم وعمارة للأرض

لم تنظر الشريعة الإسلامية إلى النظافة باعتبارها مظهرًا شكليًّا فحسب، وإنما جعلتها جزءًا من منظومة متكاملة تقوم على الطهارة، والإحسان، وحفظ النعم، ومنع الضرر، وصيانة مصالح الناس.

وقد قرر القرآن الكريم أصل الاستخلاف وعمارة الأرض، فقال سبحانه على لسان صالح عليه السلام: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١]؛ أي: طلب منكم عمارتها وإصلاحها، وهو معنى يتضمن حسن الانتفاع بمواردها، وعدم إفسادها أو إهدارها.

وفي مقابل ذلك نهى الله تعالى عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦].

وهذا النهي أصل جامع يدخل فيه كلُّ سلوك يؤدي إلى الإضرار بمصالح الناس أو إفساد ما ينتفعون به، ومن ذلك تلويث البيئة، وإلقاء المخلفات في الطرق والمرافق، وإهدار الموارد، والتعامل مع النعم بما ينافي شكرها وحسن الانتفاع بها.

كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِی ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ [القصص: ٧٧].

وقد أشار القرآن الكريم إلى ما قد يصيب حياة الناس من آثار الفساد، فقال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِی ٱلنَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، وهي آية تستحضر مسئولية الإنسان عن آثار أفعاله في البَرِّ والبحر، وتدعوه إلى الإصلاح بدل الإفساد.

وتتصل النظافة كذلك بمقصد الطهارة الذي اعتنى به الإسلام عناية ظاهرة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِینَ وَیُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِینَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].

ومن الهدي النبوي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جعل إزالة الأذى عن الطريق من أعمال البِرِّ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، ...» [البخاري: ٢٦٣١، ومسلم، ٣٥].

فإزالة ما يؤذي الناس من الطريق ليست مجرد عمل خدمي نافع، بل هي في ميزان الشريعة عمل صالح يُؤجر عليه صاحبه؛ لما فيه من دفع الضرر، وتحقيق النفع العام.

وهكذا تتسع دلالة النظافة في التصور الإسلامي من نظافة البدن والثوب والمكان إلى نظافة الطريق والمرافق، وحفظ الموارد، ومنع الأذى، وصيانة البيئة التي جعل الله الإنسان مستخلفًا فيها.

من منع الهدر إلى ترشيد الاستهلاك وصيانة الموارد يرتبط موضوع هدر الأغذية ارتباطًا وثيقًا بمبدأ إسلامي أصيل هو الاعتدال في الاستهلاك، فقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأعراف: ٣١]

فالطعام نعمة تستوجب الشكر، وشكر النعمة لا يكون بكثرة الاستهلاك ولا بإلقائها دون حاجة، وإنما يكون بحسن الانتفاع بها ووضعها في موضعها.

وأكد القرآن هذا المعنى بصورة أوضح في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِیرًا ۝٢٦ إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِینَ كَانُوۤا۟ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّیَٰطِینِۖ﴾ [الإسراء: ٢٦-٢٧].

والتبذير ليس مجرد إنفاق المال الكثير، بل يدخل في إضاعة النعم وصرفها في غير وجهها؛ ولذلك فإن إلقاء الطعام الصالح للاستهلاك، أو إعداد كميات تتجاوز الحاجة ثم التخلص منها، ينافي مقصد المحافظة على النعمة، ولا ينسجم مع أدب الشكر وحسن التدبير.

وقد نهى القرآن كذلك عن الإسراف في الانتفاع بالموارد، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فالمؤمن مطالب بأن يوازن بين الانتفاع بالنعم وعدم إهدارها.

ومن الهدي النبوي في تعظيم النعمة قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ» [مسلم: ٢٠٣٤].

وفي هذا توجيه إلى عدم الاستهانة بما يبقى من الطعام، وإلى تقدير النعمة وعدم التعامل معها باستخفاف؛ إذ قد تكون البركة في جزء يظنه الإنسان قليلًا لا قيمة له.

كما أن العناية بالنظافة ومنع الهدر لا تنفصل عن قاعدة دفع الضرر، فقد قرر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [سنن ابن ماجة: ٢/٧٨٤، ح٢٣٤١]، وهو أصل عظيم في منع ما يلحق الضرر بالإنسان أو الجماعة.

وعلى هذا فإن المحافظة على البيئة ليست أمرًا منفصلًا عن الأخلاق الإسلامية، بل هي من مقتضيات حسن التعامل مع نعم الله تعالى، ومن صور التعاون على البرِّالبِرِّ والإحسان.

قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: ٢] ؛ فكلُّ جهد يهدف إلى إزالة الأذى، وترشيد الموارد، والحدِّ من الهدر، وتحسين نظافة الأماكن العامة، يدخل في معنى التعاون على الخير إذا صلحت النية وحسن العمل.

من أطباق نظيفة إلى مدن نظيفة مسئولية مشتركة

إذا كان منع هدر الطعام يبدأ من المائدة، فإن أثره لا يتوقف عندها؛ إذ إن السلوك الفردي يتكامل مع جهود الأسرة والمدرسة والمسجد والمؤسسات والجهات المختصة والمجتمع كله في بناء بيئة نظيفة وصحية.

فالأسرة تستطيع أن تبدأ من خلال تقدير الطعام وإعداد الكميات المناسبة للحاجة، وحفظ الفائض الصالح للانتفاع به، وتجنب التخلص من الأغذية دون سبب، وتعويد الأبناء منذ الصغر على النظافة وعدم الإسراف.

والمدرسة تؤدي دورًا مهمًّا في غرس السلوك الحضاري، من خلال التربية على المحافظة على البيئة، والمرافق العامة، وترشيد استهلاك الماء والطعام، وعدم إلقاء المخلفات في غير مواضعها.

كما تظل المساجد منابر للتوجيه الأخلاقي والتربوي، فتعاليم الإسلام في الطهارة، والنظافة، وإماطة الأذى، وعدم الإسراف، وحفظ النعمة كلُّها معانٍ قادرة على تحويل الوعي الديني إلى سلوك يومي نافع.

وتتأكد كذلك مسئولية كلِّ فرد عن المرافق العامة؛ فالطريق، والحديقة، والميدان، ووسائل النقل، وسائر الأماكن المشتركة ليست ملكًا لفرد بعينه، وإنما هي مواضع ينتفع بها الجميع، والمحافظة عليها صورة من صور احترام حقوق الناس.

وقد جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، ...» [البخاري: ٢٦٣١، ومسلم، ٣٥].

فجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إماطة الأذى شعبة من شعب الإيمان؛ ليبين أن الأعمال التي تبدو يسيرة في أعين الناس قد تكون عظيمة الأثر في ميزان الشرع؛ لأنها تحقق النفع وتدفع الضرر.

ومن هنا فإن المشاركة في جهود تنظيف البيئة، والمحافظة على الأماكن العامة، وترشيد استهلاك الموارد، والحدِّ من هدر الأغذية، ليست أعمالًا موسمية مرتبطة بمناسبة معينة، وإنما هي سلوك حضاري ينبغي أن يتحول إلى عادة راسخة.

كما أن الحدَّ من هدر الأغذية يتطلب تكاملًا بين الوعي الفردي وحسن التدبير، والتعاون المجتمعي، والاستفادة من الوسائل الحديثة في حفظ الطعام، وإعادة استخدام ما يمكن الانتفاع به، والتعامل مع المخلفات العضوية التي يتعذر تجنبها بطرق أكثر كفاءة.

وتتفق هذه المعاني مع ما يطرحه اليوم العالمي لتنظيف البيئة لعام ٢٠٢٦م من الدعوة إلى الانتقال من مجرد التخلص من النفايات إلى منع الهدر من مصدره، والاستفادة من الطعام الصالح، واسترداد المواد العضوية التي يتعذر تجنبها، وتحسين كفاءة استخدام الموارد.

وهكذا يصبح شعار "من أطباق نظيفة إلى مدن نظيفة" قريبًا من معنى إسلامي راسخ: أن الإصلاح الكبير يبدأ من السلوك الصغير، وأن عمارة الأرض مسئولية تبدأ من الفرد، وتمتد آثارها إلى المجتمع كله.

يوافق اليوم العالمي لتنظيف البيئة ٢٠ سبتمبر من كلِّ عامٍ، ويأتي عام ٢٠٢٦م تحت شعار "من أطباق نظيفة إلى مدن نظيفة"، داعيًا إلى الحدِّ من هدر الأغذية، وترشيد الموارد، وتعزيز جهود النظافة وحماية البيئة، وتؤكد الشريعة الإسلامية هذه المعاني من خلال النهي عن الإسراف والتبذير، والإفساد في الأرض، والحثِّ على الطهارة، وإماطة الأذى، والتعاون على البرِّ؛ البِرِّ؛ لتبقى نظافة البيئة، وحفظ النعمة، وترشيد الموارد سلوكًا يوميًّا يحقق شكر النعمة وعمارة الأرض وصيانة مصالح الناس.

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.