أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية للحصول على المعلومات ومتابعة الأحداث، لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى بيئة تسمح بانتشار محتوى مضلل يعتمد على السرعة وإثارة الجدل قبل التأكد من صحة المعلومات أو معرفة سياقها الكامل، وتستغل منصات الإخوان الإرهابية طبيعة هذه البيئة الرقمية في إعادة تدوير محتوى سابق وتقديمه في صورة أحداث جديدة، من خلال استخدام أخبار قديمة وصور أرشيفية ومقاطع فيديو من وقائع سابقة، مع وضع عناوين توحي بارتباطها بأحداث جارية.
خبر قديم بعنوان جديد
تعتمد إحدى أبرز آليات التضليل على إعادة نشر خبر سبق نشره قبل سنوات، مع حذف التاريخ أو عدم الإشارة إلى توقيت الواقعة، ثم ربطه بحدث جديد يشغل اهتمام الجمهور، وفي بعض الحالات يتم استخدام صورة أرشيفية مع منشور حديث، بما يخلق انطباعا بأن الصورة مرتبطة بالحدث الحالي، رغم اختلاف المكان أو التوقيت أو ملابسات الواقعة، كما يمكن إعادة نشر تصريح قديم لمسؤول أو شخصية عامة باعتباره تصريحا حديثا، خصوصا عندما يكون مضمون التصريح قابلا لإثارة الجدل أو يمكن استخدامه خارج سياقه الأصلي.
اقتطاع الحقيقة وتغيير المعنى
ولا تعتمد الشائعة دائما على معلومة مختلقة بالكامل، فقد تستند إلى جزء حقيقي من واقعة ثم تقدم هذا الجزء منفصلا عن بقية التفاصيل، ويؤدي حذف المعلومات المرتبطة بالسياق إلى تغيير طريقة فهم المتلقي للحدث، خاصة عندما يتم التركيز على جملة واحدة أو رقم محدد، دون عرض البيانات الكاملة التي توضح الصورة، وتزداد خطورة هذا الأسلوب عندما يتم تقديم المعلومة المجتزأة في صيغة سؤال مثير أو عنوان صادم، يدفع المستخدم إلى التفاعل والمشاركة قبل البحث عن أصل القصة.
التكرار يصنع انطباعا زائفا
وتستخدم حسابات ومنصات مختلفة أسلوب التكرار المكثف للمحتوى نفسه، بما يجعل المستخدم يواجه الرواية ذاتها مرات متتالية خلال فترة زمنية قصيرة، وقد يعتقد المتلقي أن تكرار المعلومة عبر حسابات متعددة يعني وجود مصادر مستقلة تؤكدها، بينما قد تكون جميع المنشورات مجرد إعادة نشر للمحتوى الأصلي نفسه، ويتحول التكرار هنا إلى وسيلة لصناعة انطباع عام بوجود أزمة أو حدث واسع، حتى إذا كانت المعلومات المتداولة لا تعكس حجم الواقعة الحقيقي.
صناعة التريند قبل التحقق
ويمثل السعي إلى تصدر التريند عاملا مهما في انتشار المحتوى المضلل، إذ يتم اختيار عناوين تستهدف مشاعر الغضب أو الخوف أو القلق، مع استخدام كلمات تدفع المستخدم إلى التعليق والمشاركة، لكن ارتفاع عدد المشاهدات أو المشاركات لا يعني أن المحتوى صحيح، كما أن تصدر موضوع لقائمة الأكثر تداولا لا يمثل دليلا على دقة المعلومات المرتبطة به. ولهذا يصبح التحقق من تاريخ الخبر ومصدر الصورة والفيديو وقراءة التفاصيل كاملة خطوات أساسية قبل التعامل مع أي منشور باعتباره خبرا مؤكدا.
مواجهة الشائعة تبدأ من الوعي
وتحتاج مواجهة المحتوى المضلل إلى التعامل مع المعلومة المتداولة بحذر، خصوصا عندما تكون بلا مصدر واضح أو تعتمد على صورة قديمة أو مقطع قصير لا يوضح سياق الواقعة، كما يمثل نشر المعلومات الدقيقة في توقيت مناسب عاملا مهما للحد من انتشار الروايات غير الموثقة، إلى جانب توعية الجمهور بطرق اكتشاف المحتوى المعاد تدويره والمجتزأ.
وفي النهاية، فإن كثافة الانتشار لا تمنح الشائعة صفة الحقيقة، وتعدد الحسابات التي تنشر المعلومة نفسها لا يعني بالضرورة تعدد مصادرها، بينما يظل المصدر والتوقيت والسياق الكامل أساسا للتحقق من أي معلومة متداولة، وتواصل جماعة الإخوان الإرهابية توظيف الأدوات الرقمية في إعادة تقديم الروايات القديمة داخل سياقات جديدة، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى وقابلية الأخبار المثيرة للتحول إلى تريند خلال وقت قصير.
وتبقى مواجهة هذا النوع من التضليل مرتبطة بقدرة المستخدم على التوقف قبل المشاركة، والبحث عن أصل المعلومة، ومقارنة ما يتم تداوله بالبيانات والمصادر الموثوقة، بدلا من التعامل مع التفاعل الرقمي باعتباره دليلا على صحة المحتوى.


التعليقات