نجح فريق بحثي بقيادة جامعة نوتنجهام في الكشف عن أدلة علمية قاطعة تثبت أن صناعة تعدين وصهر الرصاص في منطقة "بيك ديستريكت" بمقاطعة ديربيشاير البريطانية قد استؤنفت في وقت مبكر يعود إلى منتصف القرن السابع الميلادي بعد انهيار الحكم الروماني ، وفقا لما نشره موقع heritagedaily.
وجاء هذا الاكتشاف التاريخي ليحل معضلة أثرية دامت قروناً، حيث تسببت عمليات إعادة معالجة نفايات التعدين بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر في محو الأدلة المادية والصناعية على الأرض، مما دفع العلماء للاستعانة بـ "المينا" المحفوظة في أسنان الهياكل البشرية المستخرجة من ثلاث مقابر تاريخية في المنطقة، لكونها توفر سجلاً بيولوجياً دائماً لا يتغير منذ الطفولة.
ضحايا الطبقية الاجتماعية
أظهرت التحاليل المخبرية لأسنان الأطفال الذين نشأوا في مجتمعات التعدين خلال القرن السابع تعرضهم لمستويات تسمم حادة بالرصاص، تُعادل أو تفوق تلك المسجلة لدى سكان المدن البريطانية إبان الذروة الصناعية بين عامي 1750 و1850.
وكشف التقرير عن تفاوت طبقي صارخ في توزيع هذا التلوث؛ إذ تبين أن الأفراد الذين دُفنوا مع مقتنيات جنائزية ثمينة وأسلحة (مما يعكس مكانتهم الاجتماعية العالية) حملوا تركيزات رصاص أقل بكثير في أجسادهم، مما يشير إلى أن النخبة الثرية هيمنت على عوائد الصناعة، بينما تُرِكت العائلات الفقيرة لمواجهة الغبار السام والأبخرة القاتلة داخل منازلهم أثناء معالجة الخام.
خطر داهم يهدد الشابات والنساء
رصدت الدراسة ظاهرة ديموغرافية مقلقة تتعلق بالوفاة المبكرة للنساء، حيث أظهرت الفحوصات أن معظم الرجال في تلك المجتمعات عاشوا حتى منتصف العمر أو الشيخوخة، بينما توفيت النساء في أعمار صغيرة جداً (بين 17 و25 عاماً).
ويرجع العلماء ذلك إلى أن الفتيات نشأن في بيئات منزلية ملوثة للغاية بالرماد السام، مما تسبب في آثار صحية مدمرة على المدى الطويل، لاسيما أثناء فترات الحمل حيث يتم إطلاق الرصاص المخزن في العظام مباشرة إلى مجرى الدم، مما ضاعف معدلات الوفاة المبكرة بين النساء في سن الإنجاب.
توارث المهنة
أكد التحليل أن التلوث بالرصاص استمر في التصاعد طوال العصور الوسطى ليبلغ ذروته القصوى بين أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر، وهي الفترة التي تحولت فيها المنطقة إلى أكبر مركز لإنتاج الرصاص في أوروبا الغربية.
وتتطابق هذه النتائج البيولوجية مع عينات الجليد الألبية ورواسب البحيرات التي سجلت تلوثاً هوائياً هائلاً في القارة العجوز حول عام 1200 مدفوعاً بالصناعة البريطانية. كما أثبت فحص البقايا أن أغلب العمال كانوا من سكان المنطقة الأصليين، مما يعكس انتقال مهارات التعدين والصهر وراثياً عبر الأجيال دون الاعتماد على العمالة المهاجرة.
إرث تاريخي يعرض للجمهور
أوضح الباحثون أن هذه النتائج تعبر عن حقبة تاريخية بائدة ولا تعكس الظروف البيئية الحالية للمنتزه الوطني المحمي، حيث تخضع أراضي التعدين القديمة الآن لرقابة بيئية صارمة.
وسيتمكن الجمهور من استكشاف هذه الاكتشافات والتحاليل الكيميائية الحيوية من خلال معرض مؤقت يُقام في المنطقة خلال فصلي الخريف والشتاء (2026-2027)، ليعرض قصة جيل صمد أمام نهضة بريطانيا الاقتصادية ودفع ثمنها من صحته.


التعليقات